Take a fresh look at your lifestyle.

الصراعات على مستقبل العراق قبيل الانتخابات البرلمانية وما بعدها

0 59

بقلم: الداد شبيط، معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي ١-٨-٢٠١٨

خلفية:

في 9 كانون الاول 2017 اعلن رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي عن الانتصار على داعش بعد تحرير اراضي الدولة التي كانت تحت سيطرة التنظيم منذ 2014 بما فيها المدينة الثانية من حي حجمها، الموصل. العبادي قال إن العراق دخل الى “مرحلة ما بعد الانتصار على داعش”. الى جانب الانجاز في هزيمة الدولة الاسلامية، بعد تنبؤ الكثيرين بانهيار وتفكك العراق كدولة، ينسب للعبادي الفضل العراق وخارجه بنجاح قيادة الجهود التي مكنت من الحفاظ على سلامة الدولة الجغرافية والحفاظ على الاطر السياسية مع التأكيد على الجيش وقوات الامن الاخرى.

وعلى الرغم من الهزيمة الجغرافية لداعش فان تهديد الارهاب الاسلامي لم يختفي بعد. التأييد الايديولوجي لايران ما زال من نصيب الكثيرين في العراق وخارجه. على خلفية اضعاف داعش خلال العام 2017 حدث انخفاض بنحو 50 في المئة مقارنة بالعام 2016 في عدد القتلى بالعمليات الارهابية في ارجاء العراق. ولكن في كانون الثاني 2018 زاد مقارنة بالشهر الماضي عدد المواطنين الذين قتلوا في العمليات التفجيرية في العراق. عدد كبير من هذه العمليات في بغداد. على هذه الخلفية تتواصل طوال الوقت العمليات العسكرية لقوات الامن من اجل تطهير مناطق اخرى يسيطر عليها داعش في ارجاء العراق.

القيادة العراقية يمكنها الآن التركيز على انجاح الجهود لفتح صفحة جديدة من خلال توجيه الاهتمام والموارد من اجل التغلب على التحديات الكثيرة التي ما زالت موجودة. في المقام الاول تعزيز التكافل الداخلي مقابل الفجوات الكبيرة والمواجهات التي ما زالت موجودة بين الجهات القطاعية الطائفية المختلفة وفي داخلها بما في ذلك حل مشكلة اللاجئين الكثيرين الذين لم يعودوا بعد الى منازلهم. اصلاح البنى التحتية المدنية وتقليص نفوذ الجهات الخارجية.

الانتخابات البرلمانية العامة التي يتوقع اجراؤها في 12 أيار 2018 والخطوات السياسية التي ستأتي في اعقابها ستؤثر بشكل مباشر على احتمالات قدرة العراق على تعزيز الاستقرار في الدولة. استطلاعات الرأي العام التي أجريت في العراق ومقابلات مع متخذي القرارات في الدولة تشير الى تفاؤل حذر، الى جانب الشك في قدرة الدولة على التغلب هذه المرة على الظروف التي أدت الى التدهور في مرات سابقة.

المقال لا يتفاخر بالتنبؤ بنتائج الانتخابات، بل سيركز على استعراض الجهات الرئيسية التي تؤثر الآن على التطورات في العراق، وتحليل التداعيات المحتملة.

محاولة لتشكيل صورة العراق بعد الانتصار على داعش

الجهاز السياسي في العراق الذي يتميز ايضا الآن بالانقسام الداخلي وعمليات دمج كثيرة يوجد الآن في ذروة الاستعداد للانتخابات. في الاشهر الاخيرة تواصلت محاولات عناصر القوة لعقد تحالفات تخدم طموحاتها في اليوم التالي للانتخابات. قدرة الشيعة والسنة والاكراد على التغلب في نهاية المطاف على الخلافات الداخلية التقليدية، وتحقيق أجندة وطنية تأخذ في الحسبان احتياجات كل الطوائف وكذلك خصائص تدخل ايران والولايات المتحدة في العملية، كل ذلك سيؤثر بشكل حاسم على احتمالات النجاح في احداث التغيير المطلوب.

رئيس الحكومة الحالي العبادي حاول القيام بعملية للمنافسة المشتركة لكل الاطراف الشيعية في الانتخابات (الذين يشكلون الاغلبية في السكان تفوق 60 في المئة) ولكنه فشل. الزعيمان الشيعيان الخصمان نوري المالكي رئيس الحكومة السابق واليوم هو نائب الرئيس والعبادي (اللذان عمليا ينتميان لحزب الدعوة، وفي الانتخابات الاخيرة تنافسا معا) اعلنا أنهما سيتنافسان في قائمتين منفصلتين (ائتلاف القانون وحلف النصر على التوالي). الى جانب هذه القوائم ستتنافس ايضا قائمة اخرى تضم الحزب الشيوعي العراقي المدعوم من الزعيم الديني الشيعي مقتدى الصدر الذي هدد في البداية بمقاطعة الانتخابات اذا لم يتم القيام بتعديل طريقة الانتخابات.

العبادي طالب ايضا بأن يعطي لقائمته صورة تتجاوز الطوائف، لكن عمليا حتى لو كان في قائمته ستكون في النهاية عناصر سنية أو كردية سيكون ذلك فقط شكليا، والتقسيم السياسي في العراق سيتواصل بعد انتخابات 2018 ليكون قطاعيا. قدرة السنة على زيادة مكانتهم السياسية بقيت محدودة جدا، وضمن امور اخرى بسبب غياب زعامة، وعلى خلفية العدد الكبير للسنة بين اللاجئين الذين لم يعودوا بعد الى اماكن سكنهم. إن محاولاتهم لتأجيل الانتخابات رفضت من قبل المحكمة العليا. ايضا الاكراد الذين قدرتهم على المناورة ضعفت بدرجة كبيرة في اعقاب فشل زعيمهم برزاني في قيادة عملية الاستقلال، يصلون الى الانتخابات مهزومين عسكريا وبانقسام سياسي بارز فيما بينهم. اضافة الى ذلك يبدو أن رئيس الحكومة العبادي يواصل تشجيع الايرانيين في محاولة لازالة كل علامة من علامات الاستقلال. الصعوبة في التوصل الى اتفاقات مع الادارة المركزية في المواضيع الاقتصادية ومكانتهم الضعيفة، من المتوقع أن تضر الاكراد في الانتخابات، وتصعب عليهم الحفاظ على مكانتهم السياسية وعلى نصيبهم الاقتصادي من كعكة الحكم.

لا خلاف على أنه ايضا بعد الانتخابات القادمة ستواصل الاحزاب الشيعية الحفاظ على اغلبية في البرلمان، وسينجح ممثلها في تشكيل ائتلاف وان يصبح رئيسا للحكومة. لرئيس الحكومة العبادي الذي نجح في تثبيت نفسه كزعيم مجتهد ومخلص ويعمل لتحقيق مصالح الدولة، هناك احتمالات جيدة لأن يترأس الكتلة الشيعية. وذلك لأنه الى جانب النجاح امام داعش فقد كان له دور في احباط محاولة الزعيم الكردي برزاني في تحقيق الاستقلال للاقليم الكردي، وخلال ذلك العملية العسكرية الناجحة لاعادة احتلال مدينة كركوك من ايدي الاكراد. مع ذلك، في هذه المرحلة ما زال مبكرا تأبين احتمالات المالكي في تعزيز قوته. ومهما كان الامر فانه مثلما في الانتخابات الاخيرة، الانقسام في اوساط الشيعة يخلق عدم يقين يمكنه ايضا احداث شراكات جديدة من شأنها في نهاية المطاف أن تقلب الامور رأسا على عقب في كل ما يتعلق بهوية رئيس الحكومة القادم.

دور المليشيات الشيعية

الحصول على لقب رئيس الحكومة سيكون له بالطبع تأثير على الطريق المستقبلي للعراق ولكن الاهم هو تحليل الآلية التي تحدث في هذه الاثناء في اوساط الشيعة ولا سيما فيما يتعلق بمعاني قرار قوات مليشيات الحشد الشعبي، وهو اطار فوقي للمليشيات الشيعية في العراق التي عدد منها مدعوم من قبل ايران، الاندماج في سياسة العراق.

مسألة مستقبل المليشيات الشيعية في العراق تعبر اكثر من أي شيء آخر عن النضال المتوقع ان يصل الى الذروة بعد الانتخابات بخصوص توجه العراق. النقاش يجري بين الجهات الشيعية فيما بينها حيث في الغلاف الخارجي تشارك ايران في محاولة للتأثير، من جهة. وجهات غربية وعلى رأسها امريكا وحلفائها السنة وبالاساس السعودية، من جهة اخرى. المليشيات الشيعية كانت منذ 2014 عنصر القوة الرئيس والاكبر الذي حارب الى جانب الجيش العراقي ضد داعش.  عمليا، من المتفق عليه أنه بدون تدخلها فان العراق لم يكن لينجح في الانتصار وأن يعيد سيطرته على المناطق التي تم احتلالها.

في السنوات الاخيرة نشر عدد من الابحاث التي تناولت المليشيات الشيعية. في اطارها عادت وظهرت حقيقة أن المجموعات القوية من بين التي تشكل المليشيات هي تلك المقربة من ايران. في اعقاب الحلف الذي عقدوه معها والاخلاص الذي اظهروه طوال الفترة في الدفاع عن مصالحها، هي تحظى بمساعدة عسكرية واقتصادية واسعة النطاق. علاوة على ذلك، تم اثبات مرة تلو الاخرى التدخل المباشر لقوة القدس وقائدها قاسم سليماني على سلوك المليشيات.

المليشيات الشيعية المخلصة لايران تضم عدد من المنظمات الصغيرة التي استخدمت كاذرع مباشرة لايران في العراق وسوريا. مع ذلك، اساس القوة مكون من عناصر قوة عراقية، التي جزء منها يقوم بدور في الساحة السياسية. هم يستمدون قوتهم السياسية من كونهم عراقيين، ولكن قدرتهم العسكرية يحصلون عليها من ايران. منظمة بدر برئاسة هادي العامري يوجد لها اليوم تمثيل في البرلمان، ووزير من قبله يشغل عضو في حكومة العبادي. كان ذلك هو رئيس الحكومة السابق للعراق، المالكي، الذي بتشجيع من ايران دفع هذه التنظيمات الى الاندماج في سياسة العراق والانضمام لحزبه عشية انتخابات 2014.

النقاش الذي يجري في الاشهر الاخيرة في العراق بخصوص مستقبل المليشيات عبر عن الانقسام بين الذين ارادوا حلها الكامل من اجل زيادة نفوذ ايران في العراق وبين الذين ارادوا استغلال شعبيتها التي جمعوها كنتيجة لدورهم الحاسم في الانتصار على داعش لزيادة قوتها وتأثيرها في البرلمان. عنصر بارز في النقاش العام الذي تطور، تناول مسألة مستقبل السلاح الموجود لدى المليشيات. رئيس الحكومة العبادي انضم (في منتصف كانون الاول) للزعيم الديني الشيعي السيستاني في مطالبته بتطبيق  سياسة لجمع كل السلاح في الدولة، في اعقاب الاعلان عن انتهاء الحرب ضد داعش. علينا التأكيد على أن القانون في العراق يمنع عناصر في القوات المسلحة أو عناصر مسلحة من التنافس في الانتخابات البرلمانية. على هذه الخلفية كما يبدو سارع عدد من المليشيات عن الاستعداد لتسليم السلاح للحكومة والانفصال عن الاطار الاصلي لها. مع ذلك، ليس واضحا تماما اذا كانت السلطات العراقية تعهدت بأن كل المليشيات المتنافسة في الانتخابات قد سلمت سلاحها قبل السماح لقوائمها التنافس في الانتخابات. بعد ذلك ستكون ضرورة لفحص الفصل بين العناصر العسكرية والعناصر السياسية. مع ذلك، المصلحة الاساسية لمعظم المليشيات ستكون ابقاء قوة عسكرية في ايديهم. حتى اذا كان هناك فصل معين بين هذا الذراع والذراع السياسي الذي سينتخب للبرلمان، وربما حتى المشاركة في الائتلاف العتيد.

نية المليشيات للتنافس في الانتخابات تقتضي اهتمام خاص بالعناصر الرئيسية الاخرى من بين العناصر الشيعية. وقد ظهر في هذا السياق الاعلان المفاجيء لرئيس الحكومة العبادي في نهاية كانون الثاني، عن انشاء تحالف سياسي الذي ترعاه كما يبدو ايران مع المليشيات المؤيدة لايران، وضمن ذلك مع رئيس منظمة بدر هادي العامري الذي كان معروفا كحليف للمالكي وكخصم للعبادي. الاتفاق الذي تم التوصل اليه انهار بعد يوم من الاعلان عنه. ولكن يبدو أن دوافع انشاء الحلف بقيت على حالها.

في المقام الاول يبدو أن العبادي الذي عين في منصب رئيس الحكومة بعد فشل المالكي في تشكيل الائتلاف، ولم يكن لديه قاعدة سياسية خاصة به، فهم ان الكوكبة السياسية التي تتطور في العراق مع دخول المليشيات المتماثلة مع ايران الى الساحة السياسية فان الحل للبقاء على قيد الحياة يكمن في انضمامه الى هذه القوات حتى لو كان حتى الآن حافظ على صورة من لا يهتم بأن يكون محسوبا كحليف لايران. في هذا السياق يبرز تصريح احدى جهات التحالف بأن سبب تفكك الحلف هو سبب تقني وليس بسبب خلاف ايديولوجي. كما كان يمكننا الفهم من اقوال هذه الجهة أن التعاون مع العبادي بالتأكيد ممكن بعد الانتخابات، وكجزء من ائتلاف مستقبلي سيشكل الحكومة في بغداد. التقدير هو أن المليشيات ستكون عنصر قوة سياسية وامنية ايضا بعد الانتخابات دون صلة بعدد الناخبين. خلال ذلك نشر العبادي مؤخرا امر يقضي بدمج كامل للمليشيات الشيعية في الجيش العراقي ومساواة حقوق رجالها الاقتصادية مع حقوق رجال الجيش.

دور ايران

إن التخريب الذي تقوم به ايران بواسطة قوة القدس لحرس الثورة بقيادة قاسم سليماني للجهود المبذولة لاقامة تحالف بين العبادي والمليشيات يدل على مصلحة ايران الكبيرة في التدخل والتأثير الفعلي على نتائج الانتخابات. هذا بهدف ضمان أن الائتلاف الذي سيشكل في اعقابها سيخدم مصالحها. من ناحية ايران فان الوحدة في المعسكر الشيعي مهمة وهي تعمل من اجل ان يكون للشيعة التمثيل الاوسع بقدر الامكان في الائتلاف، وأن يرى كل زعيم عراقي مستقبلي في التعاون مع ايران شرط ضروري لبقائه السياسي. في هذا الاطار ايران لا تضع كل ثقلها على شخصية سياسية واحدة، بل هي تعمل على ان تبقي لها مجال مناورة سياسي بواسطته تقوم باملاء الاجندة المناسبة لها.

تدخل ايران في العراق بالطبع ليس جديدا وهو موجود منذ سنوات كثيرة. توجد لايران حدود مشتركة مع العراق بطول 1500 كم، وحسب رأيها فان الاراضي العراقية هي ساحتها الخلفية، وهي تشكل تهديد كامن على امنها. من ناحية ايران فان القدرة على السيطرة الجيدة على التطورات في العراق تشكل عامل اساسي في استراتيجية امنها، علاوة على ذلك فان التأثير على العراق هو شرط هام لتوفير انتشار قيم الثورة في الاوساط الدينية، الايديولوجية والعسكرية، حتى على مناطق استراتيجية اخرى مثل سوريا ولبنان.

الجهد الايراني في هذا الاطار يرتكز على عدد من الصعد السياسية والمدنية معا. في السنوات الاخيرة تستثمر ايران جهود كبيرة لتوسيع نفوذها الاقتصادي، الثقافي والديني في العراق. ان عدم الاستقرار الاساسي الذي يميز العراق ودخول داعش الى الفراغ الحكومي الذي وجد بعد انسحاب القوات الامريكية وتنوع الطوائف الواسع الموجود فيها والهيمنة الشيعية، كل ذلك مكن ايران من ترسيخ نفوذها في مناطق واسعة في العراق.

حتى لو كان بين العناصر الشيعية القائدة في العراق من يعارضون ايران أو يحاولون ابعاد انفسهم عنها، فانه في السنوات الاخيرة نجحت القيادة في ايران بقيادة حرس الثورة في استغلال المساعدة الكثيرة التي قدمتها للمليشيات لا سيما في المجال العسكري من اجل تحويلها الى القوة المقاتلة والاكثر تسلحا والاكثر نجاعة في العراق. من ناحية طهران هذه القوة تخدم بالنسبة لها الذراع الرئيسية لقوة القدس في العراق. اليوم التقدير هو أن المليشيات الشيعية تعد 110 122 الف مقاتل. حوالي 50 ألف منهم محسوبون على التنظيمات التي تسيطر عليها قوة القدس.

تدخل الولايات المتحدة وحلفائها العرب

الولايات المتحدة باركت اعلان الانتصار على داعش من قبل رئيس الحكومة العبادي. لأن داعش كان التحدي الاول للادارات الامريكية منذ 2014. الرئيس ترامب اكد مرة اخرى هذا الهدف منذ بداية ولايته في كانون الثاني 2017. لقد مرت اشهر منذ احتلال الموصل واعلان العبادي، وما زالت هناك علامات استفهام حول سياسة امريكا في العراق في اليوم التالي لداعش. المهم بلورة استراتيجية وترجمتها الى خطوات عملية ليس فقط بالنسبة لمسألة مستقبل القوات الامريكية الموجودة في العراق، بل ايضا وبالاساس من اجل استخلاص الدروس من اخطاء الادارة الامريكية بعد خروج القوات الامريكية من العراق في 2011.

الادارة الامريكية تدرك الحاجة الى بلورة سياسية عملية وفعالة تضعها في موقف تأثير بصورة يمكنها الاسهام في تأسيس نظام ديمقراطي في العراق، يأخذ في الحسبان حاجات كل الطوائف ويعمل على تقسيم عادل للموارد. هذا من اجل منع عناصر اسلامية متطرفة ومواجهة الجهود الحثيثة لايران للسيطرة على الفضاء العراقي وأن تشكل فيه واقع مشابه للواقع الموجود في لبنان وسوريا، الذي في اطاره تستخدم القوات العاملة في خدمة ايران (حزب الله) قوتها العسكرية في مراكمة قوة سياسية. مؤخرا اعترف وزير الدفاع الامريكي بأنه يوجد لدى الادارة معلومات على أن ايران تعمل من اجل التأثير على نتائج الانتخابات في العراق.

عشية انتخابات 2008 في العراق يبدو أن الولايات المتحدة تواصل تأسيس سياستها في الدولة على سلوك رئيس الحكومة العبادي. الرئيس ترامب اجتمع معه في البيت الابيض في آذار 2017 وفي نهاية اللقاء اعلنا عن زيادة التعاون السياسي والاقتصادي بين الدولتين. العبادي اعتبر في واشنطن شخصية يمكن العمل معها وأن بامكانه القيام بخطوات ستؤدي الى وحدة الطوائف المختلفة. عمليا، رئيس الحكومة العراقي صحيح أنه حرص على شبكة علاقات جيدة مع الغرب وذلك من خلال فهم ان نظامه بحاجة الى استثمارات كبيرة معظمها يتوقع أن تأتي من الولايات المتحدة والدول الاوروبية لصالح اعمار البنى التحتية والاقتصاد في العراق. الادارات الامريكية ايضا اعتقدت أن العبادي يريد ويستطيع أن يقود الى تعزيز العلاقات مع حلفائهم السنة من جهة وتقليص العلاقة مع ايران من جهة اخرى.

اعتماد الولايات المتحدة على العبادي الذي هو فعليا الورقة الوحيدة التي في يدها للحفاظ على الاهداف الامريكية يقف الآن في امتحان على خلفية خصائص سلوكه. في هذه المرحلة لا يبدو أن للولايات المتحدة سياسة بديلة تقرب بينه وبين السنة والاكراد. الى جانب عناصر شيعية اخرى تعارض تدخل ايران. علاوة على ذلك فان معارضة امريكا لرغبة الاكراد في الاعلان عن الاستقلال يضعف جدا الاكراد. هكذا تم عرض الولايات المتحدة كمن خانت حلفاءها ازاء صمتها على العملية العسكرية التي قام بها العبادي لاحتلال مدينة كركوك.

عمليا، المفاوضات الجارية بين رئيس الحكومة العراقي والادارة الامريكية استمرت. وفي نفس الوقت اعلنت الولايات المتحدة أنها بدأت في اخراج قواتها التي تنتشر الآن في العراق كجزء من الاتفاق مع حكومة العراق، وهي تعمل ايضا على تنسيق استثمارات اخرى في العراق. هذا رغم أنه قيل للعراق إنه استتبع توجه ادارة ترامب لتقليص الاستثمارات الامريكية، فان الولايات المتحدة لا تنوي أن تخصص مباشرة اموال لاعادة اعمار البنى التحتية في العراق في اطار الجهود الدولية التي يقودها اليوم التحالف لترسيخ الاستقرار في الدولة. في اللقاء الذي عقد في الكويت (شباط 2018) نجح اعضاء الائتلاف في تجنيد فقط 30 مليار دولار مساعدات من بين 90 مليار دولار اعلن العراق أنه بحاجة اليها لاعادة اعمار البنى التحتية.

في نفس الوقت تواصل الولايات المتحدة جهودها للتقريب بين العراق وحلفائها السنة، مع التأكيد على السعودية. ادارات امريكية سابقة حاولت ذلك ولكن الدول العربية رفضت ترسيخ علاقاتها مع العراق لأنها رأت في المالكي وبعده العبادي ممثلين لايران. يبدو أنه في السنة الاخيرة زادت جهود السعودية التي تعمل مع اتحاد الامارات لتعزيز العلاقة مع رئيس الحكومة العبادي ومقتدى الصدر على ضوء تشخيصه كمن يعارض ايران. خلال العام 2017 اتخذت السعودية عدة خطوات كانت ذروتها في زيارة رئيس الحكومة العبادي للرياض، وخلالها دشنت الدولتان بحضور وزير الخارجية الامريكي لجنة تفكير تشرف على العلاقات بين الدولتين. مؤخرا تم فتح الحدود بين الدولتين بعد اغلاقها لعشرات السنين، وللمرة الاولى منذ 1990 دشنت السعودية قنصلية في مدينة البصرة. السعوديون يفحصون ايضا امكانية توسيع استثماراتهم في العراق كجزء من التوجه لتعميق النفوذ في الدولة. مع ذلك يجب علينا التأكيد على أنه فور زيارته للسعودية سارع العبادي الى الالتقاء في طهران مع القيادة الايرانية.

الخلاصة والتداعيات

هزيمة داعش والانتخابات البرلمانية التي تقف على الابواب تضع العراق للمرة الاولى منذ سنوات كثيرة امام احتمالات متزايدة لتحقيق خطوات سترسخ استقراره، وتضمن الحفاظ عليه كدولة موحدة. خلال ذلك ستضطر القيادة العراقية لمواجهة سلسلة طويلة ومعقدة من التحديات. اضافة الى ذلك، في الواقع المعقد لعلاقات القوى في العراق والخطر الذي يكمن في عودة داعش و/ أو عناصر ارهابية اسلامية اخرى.  سواء للولايات المتحدة أو لايران توجد مصلحة في الحفاظ على وحدة الدولة. علاوة على ذلك يبدو أن الدولتين تقدران أن رئيس الحكومة العبادي هو الشخصية المناسبة لقيادة العراق حتى بعد الانتخابات، بطريقة تخدم مصالحهما. هو نفسه يحرص على الحفاظ على شبكة علاقات جيدة حتى مع الادارة الامريكية ومع ايران ايضا، بعد نجاحه لسنوات في ترسيخ الحوار والتعاون مع قيادات الدولتين.

ورغم أنه يوجد للعبادي افضلية قبل الانتخابات، فان نجاح حزبه بالحصول على اغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة ما زال غير مضمون. يمكن الافتراض أنه سيكون للمليشيات الشيعية دور رئيسي في تحديد رئيس الحكومة القادم للعراق. اضافة الى ذلك، سيكون لهذه المليشيات التي جزء منها متماهي بصورة مباشرة مع ايران تأثير كبير على طابع العراق وعلى الاتجاه الذي ستختار الدولة الذهاب فيه.

الولايات المتحدة تقيم استراتيجيتها بالاساس على نهج رئيس الحكومة العبادي، رغم أنه في السنة الاخيرة يبدو أنه اقترب اكثر من ايران. علاوة على ذلك، من سلوكه في السنة الاخيرة لا يبدو أنه يوجد للادارة الامريكية اهتمام ودافعية للرد على الخطوات الايرانية. الايرانيون من ناحيتهم يديرون سياستهم امام العراق بتشعب كبير وعدد من الابعاد من اجل ضمان نفوذهم في مجمل المستويات. من ناحية طهران، الحاجة الى ضمان سيطرة ايرانية في العراق تخدم مصالحها الامنية، وضمن ذلك اهتمامها بضمان ممر الى البحر المتوسط.

عمليا، في النضال من اجل السيطرة في العراق، فان يد ايران حتى الآن هي العليا. يمكن الافتراض أنه حتى لو أن الرغبة في الحفاظ وتوسيع النفوذ من جانب كل الاطراف، فان النجاح يرتبط بالمقام الاول باستعداد اللاعبين المختلفين لبذل جهودهم ومواردهم من اجل ترجمة اهدافهم الى خطوات على الارض. الانطباع هو أن كل من هو مستعد للاستثمار، سيكون هو ايضا من سيؤثر. يشار الى ان الساحة العراقية ولا سيما الفرص التجارية في خطوات بناء القوة العسكرية واعادة اعمار البنى التحتية تجعل دول اخرى (من اوروبا وروسيا والصين) تهتم بتوسيع استثماراتها في الدولة.

الوضع المستقبلي للعراق من شأنه أن يكون له تداعيات على مصالح اسرائيل لأن اهميته كدولة مستقلة قادرة على الأداء غير مرهون فقط بكونه في السنوات الاخيرة كان مهد العناصر الاسلامية المتطرفة، بل ايضا كان بؤرة لتأثيرات خارجية. بناء على ذلك، يجب الاهتمام بالتداعيات الاقليمية النابعة من مكانة العراق الجغرافية، ودرجة التأثير عليه من جهات خارجية.

لا يوجد لاسرائيل تأثير مباشر في العراق. مع ذلك، عليها أن تأخذ في الحسبان أن مستقبل العراق سيؤثر بشكل مباشر على قدرة اسرائيل على تحقيق اهدافها في اعاقة خطوات ايران وحزب الله في المنطقة بشكل عام وفي سوريا ولبنان بشكل خاص. إن جهود اسرائيل في هذا السياق يجب أن تكون موجهة نحو الادارة الامريكية، وبالاساس استعداد الادارة لأن تبقى نشيطة في العراق وخاصة في كل ما يتعلق ببناء القوة والتأثير على قوات الامن من اجل منع سيطرة العناصر الشيعية المقربة من ايران على هذه الاجسام. في موازاة ذلك، في اطار المصالح المشتركة الموجودة لاسرائيل مع الدول السنية ولا سيما مع السعودية مقابل ايران، فان جهودهم لتوسيع النفوذ في العراق يجب أن تكون هدفا للتحقق من ناحية اسرائيل. وعليها أن تجري حوار معها في هذا الموضوع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.