Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – وليم نصار .. ما بين الترحال … والرحيل

0 113

السفير ملحم مسعود* ، اليونان 8.7.2019

الرَّبُّ أَعْطَى، وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا

غادرت أثينا يوم الأحد الماضي , ودرجات الحرارة مرتفعة بشكل غير عادي …. مستقلا حافلة الركاب العامة التي عادة ما أستخدمها , إلى القرية التي أستقر بي المقاموالعيش بها ليس متقاعدا ( لأني لا أعترف بهذه المقولة لي ولا أمثالي…. ) إنما لمواصلة العمل والعطاء , بعيدا عن إلتزامات العاصمة وهمومها …. ومن فيها .

سرقني النوم قليلا ….

لأصحوا على رنين  الهاتف الجوال … كانت إبنتي الباحثة والأكاديمية الدكتورة ندى تبلغني ببالغ الحزن والأسى بوفاة الأخ والصديق وليم نصار … . وهي التي تعرفت عليه وساعدها في أبحاثها وأعمالها التي قامت بها في الوطن .

هجرني النوم ..  وما كان لي في سفري الطويل  بعد ذلك سوى  إجترار الذكريات ….

عن ترحال هؤلاء الذين … رحلوا … وأسماء الذين أعطوا وما أبقوا ..

وحقهم علينا أكثر واكثر … وما اكثرهم , نذكر بعضهم ولا نتذكر  الكثيرين لكن في قلوبنا باقيين ..

كذلك هؤلاء الذين امضوا زهرة سنوات اعمارهم في سجون الإحتلال وكل  منهم شاهد على حكاية نضال وتضحيات …. تجعلنا نحكي بها ونفتخر …

لوليم نصار  وبعد أن …… أَلْقَى عَصَا التَّرْحَال ….  

له عندي حكاية ……  طالما طلب الأصدقاء مني توثيقها .

كان والده العم نجيب , الذي عمل ورعى مدرسة لأولاد الشهداء , ووالدته الخالة ” أوديت ” اليهودية اللبنانية …. تنصرت لاحقا   كان بيتهم في عمان (  جبل اللويبدة ) مقرا وممرا للجميع … وهنا تحضرنا اشعار عنترة بن شداد:

ايَا ادارَ عَبْلَـةَ بِالجَوَاءِ تَكَلَّمِي .. وَعِمِّي صَبَاحَاً دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي

تعرفت على أخيه الدكتور نبيل في المانيا حيث كان يدرس الطب خلا ل زياراتي النقابية والتنظيمية في الأقاليم الأوروبية ونشات بيننا صداقة لم تنقطع …. وكانت قصص البطولات والتضحيات الفلسطينية حديثنا دائما … وكنت اسمع منه الكثير عن أخيه الأسير في سجون الإحتلال  بكل فخر … وعن كافة أبطالنا في السجون .  

عمل الدكتور نبيل في الهلال الأحمر الفلسطيني , والجامعة الأمريكية في بيروت  … وإستقر به المقام في الأ ردن …. وكانت لقاءاتنا في بيروت تكاد أن تكون يومية …. وخصوصا عند زياراتي لها قادما من مقر عملي في قبرص او اليونان .

كان نبيل مثقفا  ومتحدثا بارعا  لا تجانبه اللياقة والكياسة …وروح الفكاهة الراقية .

ومن هنا تبدأ حكايتنا :

همس ذات يوم في اذني ان هناك محاولات جادة هذه المرة بيننا وسلطات الإحتلال للإفراج عن أخيه وليم من السجون الإسرائيلية من خلال صفقة بتم خلالها  الإفراج عن ” الجاسوسة ” أمينة المفتيوهي من جنسية عربية ….. والموجودة في أيدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية مقابل الإفراج عن وليم نصار وابو علي مهدي بسيسو من الأسر .

وفي النهاية أخبرني عن وصول الصفقة إلى طريق مسدود …. بسبب الإختلاف على مكان التبادل …  والإقتراحات التي تم الحديث حولها :  على الحدود في جنوب لبنان ….او عملية تبادل في البحر … وأقتراحات اخرى كانت موضع خلاف  وتخوف من الجانب الفلسطيني. رغم الإتفاق على التبادل  من قبل الأطراف المعنية … وبالتنسيق مع الامم المتحدة .

بعد سماعي هذه التطورات التي اسر بها لي الدكتور نبيل مساء ذلك اليوم  , وانا بصدد السفر إلى قبرص في اليوم التالي …. قلت له هيا بنا إلى أخونا ابو الهول ( هايل عبد الحميد ) مفوض الأمن المركزي , والذي كانت تربطني به علاقات عمل وصداقة منذ مطلع الستينات حينما ترك ألمانيا وتشاركنا وتعاونا في إتحدد الطلبة .

وصلنا إلى مقر الامن المركزي وإلتقينا أبو الهول …. وبعد شرح ونقاش ودرس الإحتمالات … قلت له :

انا متوجه إلى قبرص … هل تسمح لي بمحاولة ( إخراج) الصفقة على الأراضي القبرصية …. وخصوصا أن قبرص مليئة بالمؤسسات  الأممية ….

كانت كلماتي وإقتراحي بالنسبة إليه هدية جاءت من السماء (  وهذا له اسبابه … ) …. وبعد نقاش وتساؤلات … صارت الكرة في ملعبي …. لتبدا رحلة تحرير الاسرى .

في قبرص وبعد وصولي إلتقيت الرئيس القبرصي سبيرو كيريانو , كان رحمه الله متعاونا ومتفهما للقضية الفلسطينية ,  بادرته قائلا لك اليوم منا هديةمن نوع آخر  !!!

وشاهدت على وجهه علامات الإرتياح … وواصلت الحديث …

نحن نفضل خيار الأراضي القبرصية لإتمام العملية …. إن هذه العملية من الأهمية بمكان لنا ….  واكثر لقبرص لتثبيت دور قبرص الإقليمي ليس سياسي فقط , ولكن ايضا في ادوار إنسانية …الخ.

وقبل ان يفكر الرئيس القبرصي الذي داهمته ” الهدية ”  …. المفاجاة ….  اضفت أن هذه العملية بالكامل ستكون بالتنسيق مع الأطراف المختلفة , وبإشراف الأمم المتحدة ….

شعرت بعلامات الإرتياح على وجه الرئيس القبرصي , الذي بادرني  قائلا :

قبرص مستعدة ” لضيافة ” هذه العملية وستكون دائما بجانبكم ….الخ. وسنوفر كل الإمكانيات  اللازمة لتنفيذها بنجاح .

وإختصارا … سارت العملية بنجاح …. وصلت ” امينة المفتي ” إلى قيرص على الطيران القبرصي برفقة وفد امني , والدكتور نبيل  و واخ أبو علي بسيسو وتم حجزها في مكان آمن …

في صباح اليوم التالي نقلت إلى مطار لارنكا . وذلك ضمن الخطة والتعاون الأمني القبرصي , وإشراف الأمم المتحدة .

تم إبلاغ الجانب الإسرائيلي بوصول ” العميلة ” إلى المطار .

وإنطلقت بالحال طائرة إسرائيلية صغيرة عادية , ( وليست مروحية ) كما جاء قي تقرير  الاخ هشام ساق الله – الطويل والقيم  الذي دار مع الأخت الاسيره المحرره اللواء فاطمة البرناوي التي نحبها جميعا .…لتصل مطار لارنكا بعد 25 دقيقة ويهبط منها المحررين  …. الذين ساروا في إتجاه  قاعة الشرف ….  

والعميلة الإسرائيلية تاخذ في نفس الوقت إتجاه آخر نحو الطائرة …. حدث هذا بخطة فلسطينية قبرصية   وبرعاية الامم المتحدة .

رحم الله ا الشهداء ورحم الله الإخوة نبيل نصار و وليم نصار . 

وتعزينا للأخت ساندرا وإبنه تامر وباقي افراد الاسرة .

* من اسرة مركز الناطور للدراسات والابحاث 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.