Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – في قبرص …. حدث الإختراق

0 73

السفير ملحم مسعود، اليونان 12.6.2019

قبرص البلد الصغير , حقق الإختراق الكبير في انتخابات البرلمان الأوروبي .    

ماذا يعني … إنتخاب قبرصي ” تركي ” لعضوية البرلمان الأوروبي …. قبرص لها 6 مقاعد هي حصتها في البرلمان الأوروبي ( عدد أعضاء  البرلمان الأوروبي 751 ) المرشح الذي تم إنتخابه بدعم اصوات غالبيتها من القبارصة اليونانيين , وبنسبة عالية , وتدفق بضعة آلاف من القطاع الشمالي (جمهورية قبرص التركية ) الكرتونية  لإنتخابه ايضا بحماس , من الذين لهم حق الإنتخاب والترشح  كمواطنين قبارصة مسجلة وموثقة اسمائهم في دواوين الحكومة منذ الإستقلال … نجح وكان مرشحا على قائمة الحزب الشيوعي ( ولم يكن عضوا فيه ) وتقاسمت اربعة احزاب المقاعد الستة .

هذا يعني إختراق سياسي بكل معنى الكلمة , إنتظره طويلا كل من يعرف أو تابع القضية القبرصية عن كثب , و ادرك أهميتها , منا وغيرنا , على مستقبل الجزيرة , أكثر من أهل الجزيرة نفسها من ابناء الطائفتين . 

إن وجود استاذ الجامعة المحاضر في الأدب التركي ”  نيازي  كيليوريكس ” في البرلمان الأوروبي , سيغير مفهوم التعاطي مع المشكلة القبرصية ,  سواء الحلول الأممية , او الوساطات الأوربية , او المحاولات والإتصالات التي لم تتوقف ابدا  للدول الضامنةلإستقلال قبرص ( إنجلترا , واليونان , وتركيا … ) منذ عقود , تخللتها  إنجازات او نجاحات متواضعة  لم تتعدى  اكثر من جعل ” المعابر ”  بين الطرفين … مواربة ….. وشبه سالكة .  

ليصبح هذا  الإختراق  بوجود هذه الشخصية التي تحمل الهوية  ”  القبرصية ” بكل ما يعني هذا التمثيل من معنى , ربما  حجر الرحى في كل ما يتعلق بالشأن القبرصي من الآن دوليا وخصوصا   في هذه المنظومة الاوروبية  وثقلها العالمي , وبالطبع الملفات الأوروبية الساخنة

هذا الحدث جعلني أجتر ذكريات عديدة .خاصة لقاءاتي مع الشاب اليافع المتحمس … نيازيالذي نشا وترعرع في الوسط اليوناني …. والقبرصي …. من الجزيرة , ثم الدراسة في الجامعاتالألمانية للأدب التركي  …. ويعود أستاذا لهذه المادة في جامعة قبرص ( رغم صعوبات تعيينه ….. المعروفة من المتشددين ) من الاساتذة الوافدين من اثينا والذين ما زالوا يتحكمون في شؤون الإدارة في الجامعة القبرصية …. الخ. وهذه حكاية اخرى …

لم اكتشف عن أصوله وإنتمائه العرقي إلا من إسمه , ومن خلال الأصدقاء … 

لم أتركنيازي ” وأصبحت علاقاتي معه  ضمن اولوياتي في هذا البلد وصلب مهمتي وما زالت …. من اجل معرفة وفهم الجانبالاخر من مكونات المشكلة القبرصية , ونسج العلاقات والإتصالات معها  بهدوء , وإستمرار في إنتظار الحصاد يوما … الذي جاءت تباشيره متأخرة …. لكنه أتى اخيرا من أوسع أبوابه .

واعني العنصر القبرصي التركي … بما له وما عليه …

أخذني  هذ الحدث أبعد من ذلك ( في قبرص   حديقة … الذكريات ) إلى تلك الأيام الأولى لمهمتي في الجزيرة , بعد وصولي لأول مرة , وإقامتي في فندق ( على قد الحال ) إختاره لي سائق التاكسي ….مشكورا …. على الخط لأخضر ( الحدود الفاصلة ) بين الجانبين ,   وأذهلني ما أراه ….  منظر الدمار والخراب … أسلاك شائكة واعلام كثيرة …. الأمم المتحدة … وآخر تركي … وآخرقبرصي … واليوناني حاضرا وبقوة في هذا الجانب . من قبرص الدولة المستقلة .

لم ترق لي الراحة في الفندق امام هذا المشهد , وراق لي ترك الفندق والتنقل والتجوال بعد وصولي مباشرة , بين الخطوط والحواجز والمرور في المعابر أبحث عن شئ , وإكتشاف ما هو حولي …..لعليافهم منه طبيعة مهمتي في قبرص .

الشئ الذي لم لم اكتشفه إلا بعد سنوات ….. وأعني , فهمي لما تعنيه….. ” الكراهية “  

ما معنى الكراهية وتداعيتها في المجتمعات ؟؟؟؟ وأصبحت تلكالحالة تتضح لي بما شاهدته وعايشته بين القوميات والإثنيات والطوائف في قبرص  … الأمر الذي جعلني في حالة إستنفار داخلي  كامل …  رغم طوال الفترة التي  قطعناها في العلاقات مع الجانب اليوناني , والذي أصبح الغالبية المعروفة       بالدولةالقبرصية ”  وعضويتها في المنظمات والهيئات الدولية.

كانت  طبيعة  النسيج القبرصي المعقدة  بمكوناته ” الطائفية … او الإثنية  “ وانا اتحدث  هنا عن فترة نهاية الستينيات من القرن الماضي , بين الجزء الجنوبي ( اليوناني ) والذي كان يسمح للقبارصة الأتراك بدخول مناطقهم , وكانوا يدخلون ويعملون بحرية ويعودوا في المساء بعد يوم من العمل  إلى ” ألجيتو ” القبرصى التركي حيث بيوتهم وعائلاتهم .

اما الأجانب فالدخول , من هذه المعابر كان سهلا و مسموحا للسياح فقط والبعثات الدبلوماسية والأجنبية , وكان من مثلييحمل جواز سفر عربي … يكفي إلقاء التحية … السلام عليكم … وكان الرد يأتي وعليكم السلام … تمام يا أفندي . كل ذلك جعلني اكثر فهما لم أنا فيه ….

لم تتوقف ذكرياتي تلك الأيام هنا  … عند إنتخاب  ”  نيازي  كيليوريكس “

إنما كيف سيساعد هذا الحدث في تغيير الثوابت , ويخلط الاوراق ويقرع الأجراس … ابعد من قبة البرلمان الاوروبي  .

نقلتني ذكرياتي ايضا ضمن أحداث وتطورات اخرى , وكلها تصب في اهمية الطرف الآخر من أجل نجاح هذا ( الإختراق ) والبناء عليه … وفتح قنوات بقت مغلقة لعقود طويلة , وآفاق جديدة تستطيع مواجهة الجمود الذي تأصل , في الحالة القبرصية , وظلالها على منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط , المنطقة  التي تحتاج اليوم توافقات وتفاهمات حول ثرواتها الواعدة في اعماق مياهها … العميقة اصلا…. ضمن قضايا أخرى , أكثر من أي وقت مضى .

إن التعرف على  أصدقاء قبارصة من كلا الجانبين على مدى السنوات الأولى من مهمتي وإهتمامي في هذا البلد   ….. كانت أهمهما معرفتي ولقاءاتي وحواراتنا   المثمرة مع الدكتور إحسان علي ( القبرصي التركي ) مستشار مكاريوس والذي كان يقيم ويعيش في مدينة بافوس في غرب الجزيرة ,  العلاقة التي ساعدتني , إلى حد كبير :

في فكفكة   ( الأحْجِيّة ) القبرصية …

ساعدني ذلك كممثل فلسطين , للسير على أرض صلبة ,  تتطلب التوازن والحرص في علاقاتي وإتصالاتي بين الاطراف المختلفة  … العلاقة  التي  ما زلت أتذكرها ,  ساعدتني أكثر في فهم  أعمق للقضية القبرصية , وحالة التوازن التي كانت سمة تحركاتي وعلاقاتي   ” بالدولة  ” ايضا   ,  وإستمرت  هذه العلاقة  معه حتى رحيله ….

وما كانت علاقاتي لاحقا  مع استاذ الجامعة في الأدب التركي   ”  نيازي  كيليوريكس ” وغيره من الشخصيات القبرصية التركيةالهامة التي  ( نقبت )  عنها كثيرا , والقليلة في الجانب اليوناني . سوى  إستمرارا للسياسة الفلسطينية المتوازنة .

يعرف عن استاذ الجامعة نيازي , بالمواقف المعتدلة , والإيجابية مع الجميع  في هذا البلد بكل تعقيداته وينادي بضرورة وحدة الجزيرة , والتعايش بين ابنائها

إتصلت بصديقنا  عضو البرلمان القبرصي التركي في ذلك المساء حينما بدات ظهور مؤشرات المؤشرات الاولية بنجاح كاسح ….  ل  نيازي  كيليوريكس “ لتهنئته على هذا الإنجاز , وذكرته بمواقفه من وحدة الجزيرة الذي كان ينادي بها والتعايش بين أبنائها …. وقال لي مذكرا “

… سيكون ذلك أولى إهتماماتي … كذلك القضية الفلسطينية ايها الأخ العزيز … وسنبقى على إتصال ….

لقد حان وقت الحصاد

حقا    ….    قبرص ” حديقة ذكريات .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.