Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – بلقانيات 4 : الحروب البلقانية

0 105

السفير ملحم مسعود

لم تكن الحروب البلقانية وما تلاها صدفة …. إنما هي نتيجة الحال التي عصفت بشعوبها من هيمنة ,  وظلم , وتهجير , وتمييز ديني وقومي , وتقسيم … الخ . دون أي إعتبار لهذه الحقوق المشروعة لشعوب هذه البلاد , كذلك السيطرة والإستعمار المجحف سواء من الشرق أو من الغرب . و كان أقلها مصادرة الشخصية والإعتبار والإرادة , واحيانا البلاد والعباد … كان هذا الحال سمة الأوضاع في ذلك الزمان , الأمر الذي تراكم لعقود وقرون , ورغم الثورات والإنتفاضات والتمرد والرفض بين حين وآخر جاءت الحروب في هذه المنطقة  وكأنها الحل البشري لتحقيق المكاسب او المصالح او حتى الثأر من حكومات او ممالك او امبراطوريات من اعدائها، وإن طال الزمن . وفي النهاية كانت الاسرع بطبيعة الحال للقضاء على اكبر عدد من البشر في وقت قصير، كما أنها السبب في كتابة سطور التاريخ البشري للمنطقة , ولكن بالدماء التي سالت من اجل أن تمتلئ هذه الصفحات .

.

وكانت حرب البلقان الأولى الشهيرة التي نشبت بين الدولة العثمانية ودولاتحاد البلقان وهي بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود، واندلعت اوزارها في شهر أكتوبر 1912 سوى إنعكاسا و تعبيرا على هذه الحالة , وقد استغلت دول إتحاد البلقان ( تجمع إقليمي )  هش , فرصة ضعف الدولة العثمانيةوتداعياتها حيث قامت الإمبراطورية النمساوية المجرية بضم إقليم البوسنة والهرسك في أكتوبر 1908 في ما عـُرف بالأزمة البوسنية …. وهو ما دفع الحكومة الروسية في مارس 1912 لتشجيع مملكتي صربيا وبلغاريا على توقيع معاهدة ثنائية تتضمن تعاونهما المشترك في حالة اعتداء دولة أوروبية كبرى على حدودهما . وساعدت الأوضاع في الدولة العثمانية و إنهيار القدرات العسكرية العثمانية بسبب الصراعات الداخلية الناجمة عن ثورة تركيا الفتاة والانقلابات المضادة للثورة , وكذالك ضعف شبكة النقل في الجزء الآسيوي الذي يتم منه نقل القوات العثمانية إلى جبهات القتال في أوروبا عن طريق البحر، حيث تواجد الأسطول اليوناني في بحر إيجة، إضافة الى قوات الإحتياط من الجيش لم يكن جيد التدريب ، من الأسباب الأخرى في خسارة الدولة العثمانية لهذه الحرب بعد حربها مع ايطاليا …. الخ.مما جاء في كتب التاريخ ..

ضراوة الحرب كان لابد لها من نهاية وهو ما تم بواسطة معاهدة لندن التي استطاعت أن تنهي الحرب البلقانية الأولى في 30 مايو عام 1913، وبموجب هذه الاتفاقية تم التنازل عن جميع الاراضي العثمانية التي تقع غرب خط أينوس ميدا للاتحاد البلقاني، وخسارة الحرب في عهد السلطان محمد رشاد الخامس كما أعلنت المعاهدة أيضا قيام دولة  ” ألبانياالمستقلة وهنا لدينا الكثير عن أي ألبانيا يتحدثون ؟؟؟

أما حرب البلقان الثانية ….  ويا له من قدر …. إنها الحرب التي إندلعت بعدان وضعت الحرب الأولى اوزارها ….  لكن كانت هذه المرة بين حلفاء الأمس الذين حاربوا الدولة العثمانية وإنتصروا عليها , من يصدق ذلك …. إنها البلقان ….
اندلعت الحرب الثانية في البلقان ما بين 29 يونية و10 أغسطس 1913، بين بلغاريا من جهة وصربيا واليونان ورومانيا والجبل الأسود والدولة العثمانية من الجهة الأخرى. الحروب هي المرض الذي اصاب البشرية رغبة في مزيد من المصالح والثروات الاقتصادية والحدود السياسية ايضا، ولهذا كانت الحرب هي القرار حين إكتشفت دول البلقان خلافات جوهرية فيما بينها وبعد تحقيق إنتصارات على الدولة العثمانية  …  خلال الأيام الأولى بعد حرب البلقان الأولى، حيث أصرَّ البلغاريون على إرسال جنود إلى سالونيكا في اليونان . أما الجبل الأسود فلم تكن راضية عن معاهدة لندن، حيث إن القُوى العُظمى منحت مقاطعة شكودر لألبانيا، ومقاطعة “شكودر” هي واحدة من 12 مقاطعة في ألبانيا يبلغ عدد سكانها 215,347 في عام 2011، في مساحة 3562 كيلومتر مربع، وهي تقع في الجزء الشمالي من ألبانيا وذلك عكس ما تم الاتفاق عليه سراً قبل حرب البلقان الأولى..
وقد أدركت كل من بلغاريا وصربيا أن معاهدة التقسيم غدت قديمة وتحتاج تعديلاً، وقد رغبت صربيا في مساعدة قيصر روسيا على تقسيم مقدونيا بين صربيا وبلغاريا، غير أنه لم يكن لبلغاريا ثقة قوية بقيصر روسيا، وقد أمِلت بلغاريا بأن النمسا والمجر اللتين تخشيان تزايد قوة صربيا، سوف تقدِّمان المساعدة لها. أما صربيا فقد عقدت معاهدة تحالف مع اليونان في 1913 ومن هنا اندلعت الحرب … من جديد .
لم تكتفِ بلغاريا بالمناطق التي انتزعتها من العثمانيين في تراقيا، وادّعت حقوقًا لها في مناطق العثمانيين السابقة في مقدونيا، والتي أصبحت تحت سيطرة صربيا واليونان بعد حرب البلقان الأولى، وهاجمت بلغاريا مواقع الصرب واليونانيين في مقدونيا، وفشلت مفاوضات السلام في يونيو 1913. وانضمت رومانيا والجبل الأسود للحلف المكون من صربيا واليونان  ضد البلغار،.

هاجمت رومانيا بشراسة الجزء الواقع في شمال بلغاريا وتدخلت الدولة العثمانية  أو ما تبقى منها كطرف ثالث لاستعادة أدرنة و شرقي تراقيا، بدأت الحرب حينما نمت رغبة مملكة بلغاريا في ضم مقدونيا الشمالية من الصرب ومقدونيا الجنوبية من اليونان، فقامت بلغاريا بمهاجمة كل من اليونان وصربيا فجأة ودون إعلان حرب كما جرت العادة، فأعلنت رومانيا الحرب على بلغاريا في نفس الوقت ايضا وانضمت الدولة العثمانية إلى الحرب في الثامن عشر من يوليو، وهو ما مكنها لاحقا من استعادة عددا من الأراضي التي فقدتها خلال حرب البلقان الأولى، وكانت ضمن الرابحين من هذه الحرب . لم تستطع بلغاريا الصمود أمام ذلك التحالف، وتعتبر هذه من المرات النادرة خلال العصر الحديث التي تُهاجَم فيها دولة من كل جوانبها بكل معنى الكلمة .  فطلبت ترتيب هدنة لوقف لقتال   وبالفعل تحقق لها الأمر ولكن كلفها ذلك كثير من الخسائر …. لاحقا  انتهت الحرب بتوقيع اتفاقية

. واتجهت مملكة بلغاريا إلى طلب المساعدة من النمسا في استعادة جزء من الأراضي التي احتلتها صربيا في الحرب           و أجبرت النمسا صربيا على إرجاع بعض الأراضي إلى بلغاريا مما أدى إلى حقد كبير من الصربيين تجاه النمسا بعد الحرب …. …. وعلينا أن نتذكر ذلك دائما …. لكي نفهم أجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى …. هذه هي حروب البلقان المبكرة  والتي زرعت المزيد من الكراهية وحب الإنتقام بين شعوبها , لكنها كانت البداية لحقبة دامية إستمرت لبضع سنوات عانت منها البشرية في عصرنا الحديث في مطلع القرن الماضي …. دشنها المراهق الصربي …. ” جافريلو برينسيب كان عمره أقل من 18 سنة  عندما قام باغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية، وزوجته صوفي دوقة هوهنبيرغبرصاصتين في خطة محكمة بينما كانا يتجولان بسيارة مكشوفة في أحد شوارع سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك في 28 يونيو/حزيران من عام 1914  

هل كان ذلك كافيا ليثبت المراهق الصربي شجاعته … أم أن الصراعات والترسبات والمعاناة القومية والدينية في هذا النسيج المتعدد تراكمت لدرجة كانت كافية   في هذه المنطقة التي عرفت ب ( البلقان ) , سببا لإندلاع حربعالمية قتلت 16 مليونا من البشر وانهى 4 إمبراطوريات ؟؟

إنها الحرب العالية الأولى …. وهذه حكاية أخرى …..  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.