Take a fresh look at your lifestyle.

السفير ملحم مسعود يكتب – بريطانيا ” الجزيرة الأطلسية “

0 67

بقلم السفير ملحم مسعود 

إن مسلسل خروج بريطانيا و التطورات في الساحة الاوروبية ونعني هنا الإتحاد الأوروبي , وما سببته الحالة البريطاتية منذ إستفساء عام 2016 على الرحيل أو الإنفصال …( حيث صوت الناخبون البريطانيون في 23.6.2016من أجل خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي ) ) وتداعياته على صيغة ” الإتحاد الأوروبي ” ما زال بلا نهاية واضحة أو ” سعيدة ” لأصحابها .

تعود بنا الذاكرة هنا عندما سعى المؤسسين …. ولم تكن في أحلامهم الوصولإلى ما آلت إليه الوحدة الأوروبية اليوم ….  عندما بادرت فرنسا حينذاك لإنشاء «جماعة الفحم والصلب » كبداية للتكامل بين ألمانيا وفرنسا ولاقت ترحيبًا كبيرًا لا سيما من قبل المستشار الألماني كونراد أديناور الذي رأى أنها الوسيلة الآمنة لاستيعاب فرنسا، وأداة للخروج من أية عزلة سياسية بعد الهزيمة تمهيدًا لتوحيد ألمانيا بعدما انقسمت فعليًا. ومن جانبها، كانت فرنسا تهدف من وراء هذه المبادرة السيطرة على صناعة الصلب التي مثلت المكوّن الأول للصناعات العسكرية من خلال إيجاد إدارة عليا تستطيع معها ضبط توحيد سياسيات الصلب بما يضمن لها عدم خروج أو ( إنفلات ) ألمانيا نحو طريق منفرد لإعادة بناء قواتها المسلحة وبالفعل، جرى إعلان تأسيس الجماعة بانضمام إيطاليا ودول. «البنيلوكس» (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) ليصار تنسيق السياسيات ورفع الحواجز في تجارة هاتين السلعتين ….. بعد كل هذه السنين من إنجازات الوحدة الاوروبية فاقت كل أحلامهم وربما كانت محصورة في إنجازات «جماعة الفحم والصلب » .

( والجدير بالذكر هنا إحجام بريطانيا وقتها عن حجز مكان لها ضمنه، ولم تعدل عن موقفها سوى في العام 1973 أي بعد 16 سنة. )

إن هذا الإنجاز الأوروبي كان وليد المفاهيم والثقافة الأوروبية وإحتياجاتها بإمتياز ,  لتجنب القلاقل وعدم الإستقرار الذي كان سببا لويلات الحروب  في المستقبل  , كما راينا كيف بدا التفكير الأوروبي بعد هذه الحروب الطاحنة بضرورة خلق الأساليب وصيغ التعاون : إقتصادي… وسياسي … وإجتماعي لتكون فيها الشعوب الأوروبية ومكوناتها الإثنية والعرقية متعايشة ومتسالمة ومتعاونة من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

في ظل هذا الإنجاز الذي مضى بعيدا …  جاءتالحالة البريطانيةالتي لاقت إعتراضات وتحفظات في البداية  كانت فرنسية واضحة عندما قال الرئيس الفرنسي إن بريطانيا تملك كراهية متجذرة للكيانات الأوروبية …. هل كان على حق ؟؟؟ وحالت مواقفه دون إلتحاق بريطانيا بالسوق الأوروبية إلا بعد أن ترك الحكم عام 1969 ,وبعد ترك ديجول السلطة وإنضمام بريطانيا للوحدة الأوروبية .

مرت علاقاتها  بالاتحاد الأوروبي بمحطات بارزة انطلقت عام 1961 بتقديم لندن ترشيحها لعضوية المجموعة الاقتصادية، وانتهت يوم 23 يونيو/حزيران 2016 بتصويت 51.9% من البريطانيين لفائدة الخروج من حضن الاتحاد. لكن، وسط كل ما تحظى به بريطانيا وجلها مكتسبات أتت من عضويتها الأوروبية،

وأصبحت بريطانيا أحد الأعمدة الرئيسية في الاتحاد الأوروبي وهي خامس اقتصاد عالمي، ومركز أوروبا المالي، وصاحبة نصيب الأسد من الاستثمارات الأوروبية المباشرة.

الغريب ورغم كل هذه المكاسب بقى ذلك الشعور الدفين بالانفراد وعدم الانتماء حاضراً لدى البريطانيين، حتى أنك قد تسمعهم يطلقون على أوروبا لقب “القارة”، حتى إعلانات وكالات السياحة في بريطانيا على سبيل المثال تشير إلى رحلات إلى “أوروبا”، وكأنما هم يقطنون قارة أخرى ..

ويذكر التاريخ أن بريطانيا تمسكت على الدوام بمسافة فاصلة بينها وباقي أوروبا، حتى بعد الانضمام إلى اتحاد لم شمل القارة العجوز، انضمام أتى متأخراً بعد رفض أولي لبريطانيا , عندما أعلن عن تأسيس لبنة الاتحاد الأوروبي في العام 1957 كتكتل اقتصادي،  

ورغم تأخرقرار الإنضمام  هذا ، سرعان ما شابته أزمة ثقة قادت لاستفتاء أول ( للخروج ) بعد سنتين فقط من اللقب الأوروبي، لكن حينها رجحت كفة مؤيدي البقاء بـ 67% من الأصوات غير أن نتائج الاستفتاء القديم لم تخمد جذوة الرغبة في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بل إنها ظلت لعقود تلت حاضرة في الوجدان البريطاني، ولا أدل على ذلك من رفض لندن الانضمام إلى منطقة اليورو واعتماد العملة الأوروبية الموحدة، وتشبثها بعملتها الوطنية، ولا هي قبلت أيضاً بالدخول في اتفاق “شنغن” أو منطقة الحدود المفتوحة بين دول أوروبا ..

.والآن جاء الإستفساء الأخير في ظروف وتحديات مر بها الإتحاد الاوروبي منذ الأزمة المالية العالمية , وكان من ضمن تداعياتها أزمة منطقة اليورو , مرورا بازمة اللاجئين التي زادت الطين بلة والتخبط الأوروبي واظهرت الإتحاد وكأنه خارج السيطرة ( وما زال ) في معالجتها شكلت عاملا إضافيا حركت جميعها رغبة الإنفصال من جديد في وجدان كثير من البريطانيين , ربما كان يمثل هذا  نصف الشعب البريطاني .

من ناحية اخرى مؤيدو ” الخروج ” يعزفون على الوتر الثقافي مهددين بزوال الهوية والخصوصية البريطانية، إن بقيت “حبيسة” الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى مسألة الهجرة، فكل سنة تستقبل بريطانيا قرابة مليون وافد جديد حسب ما تتداوله وسائل إعلامها … مما جعل الكثير من البريطانيين للدعوة إلى إستقلال بريطانيا عن أوروبا …. واشيا أخرى دفينة في نفوس الناس للرغبة في الإنفصال والتحرر من الإنتماء الأوروبي …

لكن يبدو أن الهواجس الاقتصادية وتقويض التجارة العالمية وإضطراب الأسواق المالية والإضرار بإقتصاد الإتحاد الذي تبلغ قيمته 16 تيليون دولار وهو ما يخشاه زعماء أوروبا في حالة خروج بريطانيا دون إتفاق …. وما هي محاولات التمديد الأوروبي وإطالة تأجيل الإنسحاب سوى المحاولات الأخيرة لتدوير المواقف !!! وهذه حكاية أخرى .

لكن كما يبدو دعوات البقاء، لم تعد كافية لتتمكن هذه المرة من إعادة سيف الانفصال إلى غمده من جديد…..

إنها بريطانيا ….” الجزيرة الأطلسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.