Take a fresh look at your lifestyle.

الدور الإيراني في الأزمة السورية : التموضع والتحالفات والمستقبل

0 669

معن طلاع *- 6/3/2019

مقدمة

مع انطلاقة حركات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا، أعلنت إيران عن دعمها لحق الشعوب العربية في التحرر من الاستبداد والتطلع إلى الحرية وما أسمته بـ”الديمقراطية الإسلامية”، لكن تغيرت هذه النظرة عندما وصلت حركة الربيع العربي إلى سوريا، وبات الربيع -من وجهة نظرها- خريفاً أروبياً وأمريكياً وإسرائيلياً، مبنياً على نظرية التآمر على “دولة المقاومة والممانعة”(1). وتبنت دوائر التأثير الإيراني الرواية الرسمية للنظام السوري، وساندته سياسياً وإعلامياً ومادياً وعسكرياً للحيلولة دون إسقاطه(2)، ولعلّ مردّ هذا التغيير نابع من طبيعة التحالف الاستراتيجي مع النظام، ومتسق مع ضرورات الحدّ من تداعيات الحراك الثوري الذي سيُفقد طهران تواصلها مع حلفاء آخرين مثل: حزب الله اللبناني وحماس، الأمر الذي سيؤدي إلى تغيير عميق في قواعد اللعبة والتأثير في المنطقة.

ومع تحول الصراع في سوريا، وانتقاله لمستويات متعددة تتداخل فيها الأدوار المحلية والإقليمية والدولية؛ شهدت السياسة الإيرانية عدة مقاربات سواء فيما يتعلق بالتعريف الإيراني لما يحصل في سوريا أو فيما يرتبط بحجم الدعم والمساندة والتدخل ومستوياته وما يرتبط به من استثمارات. كما انطلقت تحالفات طهران السياسية والعسكرية والأمنية في المشهد السوري من عدة ضرورات تكتيكية واستراتيجية، دفعتها باتجاه تطويع هذه التحالفات لتغيير حجم وشكل التموضع الإيراني الذي أضحى تموضعاً نوعياً في بنى الدولة ومؤسساتها لا سيما في مؤسسة الجيش والأمن؛ هذا التموضع أضحى في مرحلته الراهنة مطلباً وهدفاً مشتركاً للعديد من الفواعل الإقليمية والدولية التي تطالب بخروج إيران من المشهد السوري؛ وبالمقابل يدلل هذا التموضع على امتلاكه القدرة والتأثير في معادلات حل الأزمة السورية ومستقبل سوريا والإقليم.

ستحاول هذه الورقة التحليلية تتبع المقاربة والسياسة الإيرانية للأزمة السورية وأدواتها، وأبرز تحولاتها، وأدوارها المستقبلية. وستتكئ الورقة: على مداخل التحليل الجيواستراتيجي باعتباره المدخل الأكثر موضوعية في فهم سلوك إيران الإقليمي عموماً والقائم على مفهومي القوة والمصلحة النظرية الواقعية في العلاقات الدولية؛ دون أن نقلل من أهمية التوجهات الأخرى المتحكمة في السياسة الإقليمية الإيرانية، كالتوجه الثقافي والتاريخي لما له دور مهم في خلق أدوات داعمة للاستراتيجية العامة.

تدخل وتحالفات وظيفية

سعت طهران، بعد تدحرج كرة الربيع ووصولها لليمن وسوريا (المنطقتان المهمتان بالمعنى الجيوسياسي والجيبوليتكي)، ولا سيما بعد ظهور مؤشرات تصدع نظام الحكم في اليمن وتزعزعه في دمشق، إلى تكثيف أدوات المساندة والانخراط العسكري النوعي: كالدعم الميليشياوي الأجنبي وتأسيس وتدريب وتمويل ميليشيات محلية ودعمها سياسياً وعسكرياً، وتقديم الاستشارات والمشاركة في غرف القيادة والعمليات المركزية والفرعية؛ إضافة إلى تدخلها المباشر في المفاوضات المحلية و”المصالحات المحلية”؛ كما دفعها ذلك إلى انتهاج سياسة إقليمية ترتكز على عدة أبعاد عسكرية أمنية وسياسية، فالأبعاد العسكرية دفعتها باتجاه تمكين حليفها عسكرياً وأمنياً وتشكيل أطر ميليشياوية محلية؛ وتطلبت الأبعاد السياسية العمل على خلق سرديات مغايرة لأسباب وموجبات الحراك الثوري وأرجعتها لمطالب اقتصادية يستغلها “مخربون”؛ وفي ذات السياق عملت الماكينة الأمنية الإيرانية على نقل مستويات الصراع إلى صراع ضد “قوى إرهابية” بشكل يخدم السردية الإيرانية، وذلك عبر دعم السياسات والممارسات التي تُهيئ انتقال الصراع لأبعاد طائفية تغذي سرديات ومظلوميات تخفف من وطأة الصراع على المستوى السياسي(3).

يمكن تحديد أهداف التدخل الإيراني في سوريا بعدة غايات منها ما يرتبط بموقع سوريا الجيوسياسي الذي يتطلب من طهران العمل على عدم السماح بإخلال قواعد الاشتباك مع إسرائيل واحتكار مواجهتها، إذ يشكل سحب هذه الورقة من إيران انتكاساً حاداً لفاعليتها الحركية ضمن تفاعلات النظام الإقليمي، وغياباً عن ميادين صياغة المعادلات الأمنية في المنطقة فانحسار قوات النظام العسكرية وتقهقرها في مناطق الجنوب السوري الحدودية مع فلسطين والأردن وفي مناطق القلمون الحدودية مع لبنان خلال الأعوام الأولى للصراع العسكري، شكل هاجساً مركباً للنظام الإيراني، إذ أنّ هذا الانحسار من شأنه أن يفرض لاعبين جدد في معادلات الأمن ويخرج النظام وإيران منها، بالإضافة إلى أنه يشكل تهديداً حقيقياً لطرق إمداد حزب الله اللبناني الذي يسعى لأن يكون المؤثر الرئيسي في تلك المعادلات في الجنوب اللبناني(4).

ومن الأهداف أيضاً ما يتعلق بسوريا نظاماً وجغرافية؛ إذ أنّ الحفاظ على النظام ودعمه ومساندته أمام حركة التغيير التي تلقت دعماً ومساندة من عدة دول عربية وأروبية ناهيك عن تركيا والولايات المتحدة، أدى إلى إبراز قوات النظام وحلفائه كقوة عسكرية منظمة، يمكن أن تضطلع بأدوار عسكرية وأمنية ضمن عمليات “محاربة الإرهاب”، ما من شأنه أن يعزز مكاسب طهران ويجعلها أكثر استراتيجية؛ كما أن التحكم في الميزات الجيوسياسية لما بات يُعرف بـ “سوريا المفيدة” و”البادية السورية”، سيزيد من هامش طهران في عرقلة أي حل نهائي في سوريا، ويتيح لها تعميق مستوى الحماية لجيوب استراتيجية تشكل تهديداً لمصالحها في حال فقدان السيطرة عليها، فتثبيت قواعد اشتباك خارج حدود “سوريا المفيدة” من شأنه أن يحول دون تعطيل المشروع الإيراني في سوريا والتي تعتبر نقطة وصل مهمة إلى لبنان وإلى المياه الدافئة، كما أنّ تأصيل هذا التدخل سيبدد أي وجود عسكري يهدد مصالح حزب الله في لبنان، ويحافظ على قنوات إمداده(5).

قبل التدخل الروسي؛ شكل مشهد التخلي عن النظام السوري من معظم حلفائه السابقين (كدول الخليج وتركيا وأروبا قبل الثورة) فرصة مهمة لطهران للاستحواذ على دائرتي التفاوض المنبثقة عن الصراع السوري؛ الدائرة المحلية والدائرة الخارجية؛ فعلى المستوى المحلي شكل التواجد العسكري للميليشيات المحلية والأجنبية المدعومة من طهران عاملاً دافعاً للانخراط في المفاوضات المحلية مع قوى الثورة والمعارضة وبالتالي مع حلفائهم الإقليميين والدوليين(6)؛ وعلى المستوى الخارجي فقد ساهم هذا التواجد وما يتضمنه من عوامل تأثير في المشهد السوري في تغلغلها في عمليات التفاوض الدولية ضمن “العملية السياسية” وبالتالي العمل على استثمار هذا التغلغل لخلق مساحات حوار مع المجتمع الدولي، تساهم في تعجيل الحصول على اتفاق نووي لا يتعارض مع الشروط الإيرانية؛ واستثمار هذه المساحات لتعزيز بعض المقاربات الدولية، لا سيما مقاربة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في التعاطي مع إيران والتي تعتبر أن تمكين إيران مقابل تحجيم قوتها النووية عامل يساهم في الاستقرار الإقليمي، وهي نظرة سياسية لا يستثنيها المجتمع الدولي من خياراته السياسية حيال المشرق العربي متذرعاً “بترهل” الكتلة الخليجية(7).

تدرجت أدوات التدخل العسكري الإيراني ونوعيتها في سوريا وفق طبيعة كل مرحلة، وعلى الرغم من مساهمة هذه الأدوات في تحسين قدرة النظام العسكرية نسبياً إلا أنه وبعد الهزائم المتتالية التي مني بها النظام، منذ الربع الأول من العام 2015 وحتى بداية ربعه الثالث، أضحت تلك الأدوات غير قادرة على تحقيق الفاعلية أو حتى الصمود (يدلل على ذلك العديد من المؤشرات، منها طلب طهران من موسكو التدخل)(8)، الأمر الذي جعل معظم مكتسبات الهندسة الإيرانية مكتسبات قلقة؛ فلم يساهم الاتفاق النووي عملياً في تحسن تموضع إيران وحلفائها عسكرياً في سوريا، وحتى الجيوب الاستراتيجية التي حاولت السيطرة عليها بقيت غير مستقرة نظراً لكثرة الفاعلين المحليين وتنوع انتمائهم واختلاف مقدراتهم العسكرية. كما تحولت سوريا التي جهدت طهران في تحويل جل أذرعها في المنطقة إليها، إلى جبهة استنزاف حاد لهم لا سيما لحزب الله والميليشيات العراقية، وبالتالي تزايد احتمالية انعكاس ذلك سلباً على مصالحها في لبنان -المضطرب سياسياً- والعراق، ويضاف إلى ذلك تزايد صراعات بينية عسكرية كامنة بين أذرعتها في الجغرافية السورية.

أما بعد التدخل الروسي الذي أتى كخطوة فرضتها الضرورة الناشئة من اللحظة السياسية والعسكرية الحرجة في الملف السوري، عملت موسكو وطهران وفق مقاربة سياسية عسكرية، قائمة على الهيمنة العسكرية واستعادة الأرض وضرب المعارضة السورية، وتحويل ذلك لمكتسبات سياسية توظفها لتعزيز سرديتها وتعريفها للملف السوري. وبهذا السياق كان لا بد لموسكو من اتباع ذات الاستراتيجية العسكرية المتبعة من قبل النظام وإيران، والمعروفة باستراتيجية “الحل الصفري” على المستوى العسكري في سوريا. فتعمّق التحالف الروسي الإيراني بحكم الضرورة والغاية العسكرية (القوات الروسية جواً والميليشيات الإيرانية براً)، فضربت ابتداءً مناطق سيطرة قوى الثورة في الساحل، وأخرجت كافة جيوبها من مساحات “سوريا المفيدة” مُتبعة منهجية التهجير وصولاً لعودة السيطرة على حلب الشرقية، كما رافق كل ذلك إجهاضٌ دائمٌ لأية فاعلية تُرتجى من مجلس الأمن باستثناء قرار نشر المراقبين الدوليين رقم 2328، للإشراف على عملية الإخلاء كونه يعزز السيطرة الدائمة على مدينة حلب. هذا الإعلان الذي أفضى لاحقاً لتكريس مسار الأستانة الذي وجدت فيه طهران فرصة للاتكاء على الروس على سبيل استيعاب الطموحات الترامبية (التي كان من أهم ادعاءاتها أنها ستحجّم إيران التي تتسبب في توتر المنطقة وعدم استقرارها)؛ ومدخلاً مهماً لتحسين علاقة طهران بتركيا باعتبارها فاعلاً مؤثراً مهماً في مشهد المعارضة السياسية والعسكرية من جهة؛ وباعتبارها مدخلاً مهماً لمقاومة العقوبات الدولية المفروضة على إيران من جهة أخرى(9).

وعلى الرغم من تحسين كفة الصراع للنظام وتعظيم شروطه السياسية ضمن مسار العملية السياسية سواء عبر ما أفرزه مسار الأستانة أو عبر مسار المصالحات (الشكل الادعائي لعمليات التهجير)؛ فإنّ التواجد الإيراني شهد تحديات عديدة لعل أهمها الاستهداف الإسرائيلي المستمر لها، وتحول هذا التواجد لاسيما ضرورة تحجيمه في سوريا، لهدف مشترك لعديد من الفواعل لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والمملكة العربية السعودية؛ وعاملاً ضاغطاً على حلفائهم الروس؛ إلا أن سياسة الاستحواذ الإيرانية التي اتبعتها خلال سنوات الصراع من خلال امتلاك القدرة والتأثير على معظم دوائر التأثير الحكومي وغير الحكومي في سوريا، جعل طهران تتجه نحو إعادة التموضع والتحالف المحلي وجعله تواجد شبكي مندمج لحد ما، لا سيما في بنية الدولة العسكرية والأمنية، وهو ما سيجعلها مرشحة للمساهمة في إنتاج حل سياسي لا يتعارض مع أهدافها الاستراتيجية، سواء عبر الدعوات المبطنة لعودة التطبيع مع النظام، أو عبر تجاوز لحظة الانتقال السياسي لصالح استحقاقات تجهد كل من موسكو وطهران لتحويلها لاستحقاقات حكومية غير مستعجلة.

الحفاظ على المكتسبات

انطلاقاً من ضرورة ضمان مصالحها في سوريا أدركت القيادة الإيرانية ضرورة الإمساك بكل أطراف الملف السوري وتنويع سيناريوهات التعامل مع المآلات المتعددة؛ وهذا ما يفسر تعدد اتجاهات التموضع والتي يمكن حصرها باتجاهات سياسية وعسكرية واقتصادية.

فعلى المستوى السياسي تدفع إيران سياساتها تجاه سوريا نحو تحقيق الخيار الأمثل لها وهو التأثير المستمر على قرارات النظام السوري والدفع باتجاه إعادة تأهيله إقليمياً ودولياً، الأمر الذي يبقي إيران متحكمة بملفات المنطقة ذات الأهمية الجيوسياسية والأمنية؛ كما عملت السياسة الإيرانية على جعل أي سيناريو متخيل حول تنحي الرئيس بشار الأسد أو عزله في حال وقوعه غير مؤثر، ولا تنتج عنه ارتدادات وانتكاسات على مشروعها في المنطقة، وذلك عبر تنويع الاختراق لمؤسسات الدولة، خاصة مؤسستي الأمن والجيش(10)؛ وحزب البعث العربي الاشتراكي؛ بالإضافة إلى توظيف الأدوار السياسية للنظام سواءً عبر إحكام تبعية أدوات النظام الدبلوماسية بتوجيهات وأهداف إيران الإقليمية والدولية، أو عبر ربط الأدوات الإعلامية والتنفيذية الرسمية بحزم خيارات وتوجهات إيران(11).

أما على المستوى العسكري، فيمكن وصف التواجد والتغلغل الإيراني داخل بنى الجيش بأنّه تغلغل نوعي؛ تشارك إيران في أجزاء من الميليشيات التي ترعاها في القوات الفرعية التابعة للنظام، في محاولة واضحة لضمان وجود نفوذ طويل الأجل داخل المؤسسات المسلحة الرسمية في سوريا. وتحقيقا لهذه الغاية، توصلت طهران إلى اتفاق في أبريل/ نيسان 2017 لدمج قوات الدفاع المحلية، والتي تشكلت من الميليشيات التي كانت قد رعتها بين عامي 2013-2014، في القوات الرسمية للنظام(12)، ولم ينتج عن هذا الدمج إنهاء تابعيتها لإيران حيث لا تزال بمثابة المسؤول الوحيد عن تسليحها وتمويلها. وخلال تنويع نفوذها، تعكف إيران على دمج حلفائها من الميليشيات المحلية في هيكل عسكري هجين يكون تحت السلطة الاسمية لمخابرات القوات الجوية أو الفرقة الرابعة أو الحرس الجمهوري، وبالرغم من قيامهم بتلقي تمويلهم وذخيرتهم من خلال هذا الهيكل، فإنّهم يستمرونفي العمل بشكل مستقل إلى حد ما. وكما هو الحال مع قوات الدفاع المحلية، تنضم هذه الميليشيات إلى وحدات كاملة (بدون تدريب أو رتب أو إعادة هيكلة)، حيث يوقع الأعضاء عادة عقوداً لمدة سنة، ويتقاضون أجورهم من طهران(13).

وفي خطوة بالغة الأثر؛ وقّع أمير حاتمي، وزير الدفاع الإيراني، مع نظيره السوري، علي أيوب، في أغسطس/آب عام 2018 معاهدة عسكرية، تضمنت تقديم إيران كافة أشكال الدعم لإعادة بناء القوات المسلحة والصناعات العسكرية الدفاعية السورية بما في ذلك الصواريخ، والالتزام بتعزيز “البنى التحتية الدفاعية في سوريا” والتي تسمح وتتيح مواصلة التواجد والمشاركة الإيرانية في سوريا. وفي ذات السياق، فإنّ الميليشيات الإيرانية موجودة إمّا في قواعد عسكرية تتبع لقوات النظام أو من خلال تشكيلات خاصة بها معروفة أو مستحدثة وتنتشر في عموم سوريا، خاصة قرب المناطق الحدودية مع الأردن وفي درعا والسّخنة والقلمون بالإضافة إلى قاعدتها الجديدة في اللجاة؛ ناهيك عن قيام طهران بتعزيز تحالفاتها مع قياديين عسكريين بارزين كقائد الفرقة الرابعة (اللواء الركن ماهر الأسد) وقائد الحرس الجمهوري (اللواء طلال مخلوف) والمخابرات الجوية (اللواء جميل الحسن) وغيرهم(14).

وعلى المستوى الاقتصادي، فالنشاطات الإيرانية متعددة وتشمل عدة قطاعات؛ فعلى سبيل الذكر لا الحصر، وقعت هيئة إعادة الإعمار الإيرانية عدة عقود مع وزارات مختلفة في مجال الكهرباء وإعادة تأهيل المدارس؛ كما تنفذ منظمة جهاد البناء، المدعومة إيرانياً، عدة أنشطة ضمن ما تسميه إعادة الأعمار والإنعاش، كما تم إنشاء فرع من جامعة آزاد الإسلامية في مدينة حلب. أما على مستوى العقود الرسمية فهناك طيف واسع من الاتفاقات التي تدلل على رغبة طهران التغلغل في كافة القطاعات الاقتصادية؛ ففي العام 2017 وقّعت إيران خمس مذكرات تفاهم بين دمشق وطهران في يناير/كانون الثاني، تضمنت العديد من الاستثمارات السيادية في الطاقة، والاتصالات، والصناعة، والزراعة، والثروة الحيوانية. كما تم الاتفاق على التعاون في استثمار مشاريع للكهرباء بإنشاء محطات توليد ومجموعات غازية، ناهيك عن استثمارات في مناجم الفوسفات بخنيفيس في ريف حمص التي تُعتبر من أكبر حقول الفوسفات في العالم، إذ بلغ احتياطي سوريا من هذا المورد الهام وفق أرقام الشركة العامة للفوسفات والمناجم 1.8 مليار طن خام في 2009، كما قُدرت أرباح الشركة خلال 2008 بمليارين ومليوني ليرة سورية (قرابة 40 مليون دولار على سعر 50 ليرة للدولار)، ويشمل العقد الموقع مع إيران التنقيب عن الفوسفات واستخراجه واستثماره لمدة 50 عاما؛ كما منحت دمشق إيران أيضاً حق الاستثمار في حقل زاهد لتربية الماشية، وخمسة آلاف هكتار من الأراضي الزراعية، ومثلها لإنشاء المستودعات والمحطات النفطية، ورخصة تشغيل الهاتف المحمول الثالث في البلاد، علماً أنّ عائدات شركة النقال في سوريا تقدر بنحو 12 مليار ليرة سورية سنوياً، على أن يبلغ حجم الاستثمار في المشغل الجديد نحو 300 مليون دولار، بحيث تكون حصة الجانب السوري 20%، في مقابل 80% لشركة إيرانية(15).

يتمثل الناظم الرئيسي وراء هذا التموضع النوعي برغبة طهران بامتلاك أكبر قدر ممكن من مجالات التأثير على الدولة السورية وشبكات النظام الآخذة بإعادة التشكل؛ وذلك بغية الهدف الجيواستراتيجي الأبرز وهو الحفاظ على المكتسبات وحمايتها وضمان استمرارها؛ وبالتالي تحصيل ما تعتبره طهران “ثمار سنين من التدخل والاستنزاف”؛ ولا يزال مسار الأستانة يشكل المدخل الأهم لطهران لبلورة حل سياسي يستند لنتائج الميدان الذي جهدت موسكو وطهران لتطبيق الحلول الصفرية حياله.

سيناريو استيعاب المرحلة

ممّا لا شكّ فيه أنّ الانسحاب الأمريكي المزمع من المشهد العسكري السوري سيشكل فرصة مهمة لإيران تدفعها نحو ملء الفراغ؛ إلا أنّ هدف “تقويض طهران” بات يشكل قاسماً مشتركاً لمعظم الفاعلين في الشأن السوري؛ خاصة بعد التوافق الدولي غير المعلن حول السماح لإسرائيل باستهداف تحركات وقواعد طهران المنتشرة في معظم المحافظات. هذا الاستهداف الذي تزايدت حدته في الآونة الأخيرة قد يكون من شأنه إبقاء المشهد السوري خاصة والإقليمي عامة، مرشحاً لاضطرابات كبرى، ولكن قد يُخفف من بعضها، تغليب الفاعلين في الولايات المتحدة الأمريكية لسيناريو “الخنق الاقتصادي والاستهداف الدقيق”، الذي يهدف –بحسب بعض التصريحات الأمريكية- إلى تغيير النظام الإيراني من الداخل من خلال ضرب الاقتصاد المحلي، وإنهاك البلد، واستهداف التواجد الإيراني الإقليمي(16). بالمقابل، وأمام جملة الاحتمالات المفتوحة تلك، فإنّه من المتوقع أن تتّبع طهران سيناريو “استيعاب المرحلة” واللعب على التناقضات بين الفاعلين سواء في الداخل الأمريكي نفسه الذي يشهد اضطراباً متزايداً حول سياسات ترامب في المنطقة باعتبارها سياسات ارتجالية لا تستند لركائز استراتيجية؛ أو تلك التناقضات الكامنة بين روسيا وتركيا حول ترتيبات شرق الفرات، أو من خلال المفاوضات الجارية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والتي لا تزال حذرة ومليئة بالتعقيدات؛ وبالتالي فإنّ معظم القرائن تشير إلى أنّ حلاً سياسياً ناجزاً وشاملاً وفق القرار الدولي 2254 ومسارات جنيف، وحتى مسار اللجنة الدستورية، لن يحصل في المدى المنظور. وبالتالي ستعتمد الأطراف سياسة الركون إلى مناطق النفوذ والبناء عليها لتكون الدينامية الأبرز لمحركات المشهد السوري؛ وهذا سيتيح المجال أمام طهران لتعزيز شبكاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية من جهة؛ ويخلق لها هوامش من جهة ثانية، لإعادة خلق سياسات شبيهة بسياساتها في العراق إبان الاحتلال الأمريكي وبعده، بما يُمكّنها من حماية مكاسبها وضمان استمراريتها وعدم خسارتها لمسرح جيوسياسي مهم كسوريا.

ولكن لا تزال عقبات وعوائق الحفاظ على تلك المكتسبات القلقة قائمة أيضًا؛ منها احتمالية توسع التباينات التي بدأت بالظهور بين روسيا وإيران لتصبح اختلافاً؛ فالتلاقي الوظيفي البيني الراهن قد يغدو خلافاً عند النقاش على الهدف الاستراتيجي لإيران وإشكالياته الدولية والإقليمية؛ هذا الهدف تراه موسكو بمثابة استمرار للتدخل أو “التورط الروسي”؛ ومن هذه العقبات أيضاً تراجع القدرة الإيرانية سواء في ظل ما تشهده طهران من انتكاسات اقتصادية أو ما ستفرزه العقوبات الدولية من تداعيات؛ وهذا الأمر سيتعزز إبان حالة الاستعصاء الدولي اتجاه تمويل إعادة الإعمار وربطها بعدة شروط لا تتناسب ومتطلبات النظام وحلفائه.

عموماً تدلل الحركية السياسية والعسكرية الإيرانية على استمرارها بالقيام بثلاث وظائف رئيسية، الأولى الاستحواذ الأفقي على المؤسسة العسكرية والأمنية وكافة تفاعلاتها بحيث تضمن امتلاك مداخل صنع القرار فيهما، وبالتالي تحكمها بأحد أهم أركان الدولة العميقة، وهو أمر له تقاطعاته مع الغاية السياسية لطهران والمتمثلة في ضمان مراعاة شروطها الجيوسياسية والجيبولتيكية، والوظيفة الثانية تتمثل في الاستحواذ على أهم الطرق البرية في سوريا لتحقيق الوصول للمياه الدافئة من جهة وللاستمرار بإرسال الأسلحة لحزب الله من جهة ثانية، أما الوظيفة الثالثة فهي الاستثمار في تحالفاتها الراهنة باتجاه تضمين مصالحها في أي تسوية محتملة في سوريا.

وبهذا ستكون جملة “سندافع عن سوريا بكل وجودنا” التي صرّح بها الرئيس السابق لهيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، فيروز أبادي، هي المتحكمة في الأدوار المستقبلية لطهران؛ لأن كافة المحركات الرئيسية للفاعلية الإيرانية في سوريا والتي انتقلت من الفعل والاهتمام السياسي ليشمل الفعل الأمني والعسكري والاقتصادي، تنطلق من مقاربات جيوسياسية وجيوأمنية؛ وتستند على اعتبارات استراتيجية إيرانية تنظر إلى سوريا باعتبارها نقطة دفاع متقدمة عن إيران وطموحاتها في التموضع الرئيسي في النظام السياسي –الأمني الإقليمي؛ كما أن أي استهداف للنظام الحاكم في سوريا تعتبره طهران استهدافاً للاستثمار الإيراني الاستراتيجي الذي بلغ حداً مهماً في العراق –حيث مجاله الحيوي- ومكانة رئيسية في لبنان عبر حليفها الاستراتيجي حزب الله؛ وهذا كله -في ظلّ توجهات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها حيال إيران- سيدفع المشهد العام سورياً وإقليمياً لمزيد من التوترات التي تمتلك كافة مؤشرات الانزلاق لأزمة كبرى.

خاتمة

تشكل أدوات القوة الصلبة أحد أهم أدوات سلوك طهران وسياساتها الإقليمية منذ مطلع الألفية الجديدة، إذ تدلل تلك الأدوات على طبيعة التوجه الإيراني وطموحه باتجاه قيادة محور إقليمي يحقق له المكاسب الاستراتيجية ويضمن له أدواراً قيادية، وحيث تؤكد حركية طهران في المشرق العربي أنّها انتهجت عدة سياسات؛ انطلقت الأولى من ضرورة الاستحواذ التام على تفاعلات العراق، المجال الحيوي الأكثر أهمية لإيران، والسيطرة على كافة مسارات ودوائر صنع القرار فيه، والثانية تمتين التحالف مع نظام الحكم في دمشق الذي يضمن لها الانخراط في معادلات المنطقة الأمنية وبالتالي حمايته ودعمه ومساندته سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والثالث هو عبر تعزيز أدوات التمكين لحزب الله اللبناني داخل الدولة اللبنانية وتطويعه لصدّ مهددات طهران، وتعزيز امتلاك خطوط مواجهة مع إسرائيل الذي يخدم “دعايتها السياسية” من جهة ويجعل الحزب طرفاً مؤثراً في معادلات أمن الإقليم من جهة ثانية؛ إلا أنّ تلك الأدوات تشهد اختباراً جدياً في سورية؛ تحاول طهران التعامل معه وفق سياسات الاحتواء ثمّ التكيف من خلال العمل على تناقضات القوى والمصالح الدولية، وعبر إعادة تموضعها في سوريا عبر سياسات الاستحواذ النوعي والانصهار في بنى الدولة وشبكات النظام.

*معن طلاع، باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية.

مراجع

1- ولد شيخنا، سيد أعمر، ” الديمقراطية عقدة إيران مع الربيع العربي”، الجزيرة نت، 9 يوليو/تموز 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/b5RP7i  

2- دندوش، كريم، “الموقف الإقليمي (الإيراني والتركي) من الثورة السورية”، مركز أمية للبحوث والدراسات، 26 يوليو/تموز 2012، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/x4TYdp  

3- الخالدي، هناء، “التدخل الإيراني في الصراع السوري الداخلي 2011-2014″، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر- غزة، 2014، صفحة 28.

4- “حدود السياسات الإيرانيّة في سوريّة وأثرها في الحل السياسي”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 13 أبريل/نيسان 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/S8sUoH  

5- المرجع السابق.

6- للمزيد أنظر: 

– “لماذا يستميت النظام ومعه إيران للسيطرة على الزبداني بأي ثمن؟” السورية نت،17 أغسطس/آب 2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/8fPjUZ  

– الداهوك، فادي، “حمص القديمة كمرتكز للنفوذ الإيراني”، المدن، 13 مايو/أيار 2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/Su2rJy  

7- “السياسة الإيرانية في سورية: حدودها ومستقبلها”، السورية نت، 14/4/2015، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/Fu76fH  

8- للاطلاع على هذه المؤشرات انظر: محسن أبو النور، محمد، “انعكاسات التدخل الروسي على دور إيران في سوريا”، السياسة الدولية، 11 مايو/أيار 2016، (تاريخ الدخول 18 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/7Xjm8n  

9- “تحديات المعارضة السورية بعد خسارة حلب وإعلان موسكو”؛ مركز عمران للدراسات لاستراتيجية، 26 ديسمبر /كانون الأول 2016؛ (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/2ZwVda  

10- بلال، غياث، “دور إيران ووكلائها الإقليميين في أزمة سوريا”، الجزيرة نت، 10 مارس/آذار 2015، (تاريخ الدخول 19 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/rrcjWp  

11- الخطيب، مجد، “ماذا تريد إيران من انتخابات الادارة المحلية؟” المدن، 16 سبتمبر/أيلول 2018، (تاريخ الدخول 17 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/XNLBFp  

12- وهي وحدات أُنشأت مع نهاية عام 2017 وهي تتألف من عدة ميليشيات محلية مدعومة إيرانياً؛ بتاريخ 6 إبريل/نيسان 2017 صدرت وثيقة عن “شعبة التنظيم والإدارة/فرع التنظيم والتسليح” مرفوعة إلى “القائد العام للجيش والقوات المسلحة” بشار الأسد، من أجل تنظيم علاقة “السوريين المدنيين والعسكريين في القوات العاملة مع الجانب الإيراني”، و”تسيير أمورهم إدارياً طيلة فترة الأزمة”. ووقع بشار الأسد على تلك الوثيقة، موافقاً، في إبريل/نيسان 2017. للمزيد انظر: “تحولات المؤسسة العسكرية السورية: تحدي التغيير وإعادة التشكيل”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 31 ديسمبر/كانون الثاني 2018، ص: 80- 96.

13- حايد، حايد، “إعادة دمج الجماعات المسلحة السورية: الآليات، الجهات الفاعلة، وأوجه الفشل”، كارينغي، 17 ديسمبر/كانون الثاني 2018، (تاريخ الدخول 23 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/ZUQkS8  

14- “سوريا: محركات الصراع الداخلي في المؤسسة العسكرية ومآلاتها المتوقعة عام 2019″، المرصد الاستراتيجي، 13 يناير/كانون الثاني 2019، ص: 7- 8

15- قومان، مناف، “التموضع الاقتصادي الإيراني في سورية”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 4 أبريل/نيسان 2018، (تاريخ الدخول 20 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/bbezEm  

16- “ثلاثة سيناريوهات مريرة أمام إيران في سوريا”، أورينت، 12 مايو/أيار 2018، (تاريخ الدخول 23 فبراير/شباط 2019). https://goo.gl/1N2Vi3 

14

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.