Take a fresh look at your lifestyle.

الحكومة الإسرائيلية تسعى لمنح وزيرة الثقافة “تفرّغاً” لتطبيق قانون النكبة وعقوباته بوتائر متسارعة !

0 17

مركز مدار –   بقلم هشام نفاع  – 25/9/2018

تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تشديد قبضتها الموجّهة ضد النشاطات والإنتاجات والمؤسسات الفنية والثقافية التي ترفض إملاءات سياسية متعلقة بتعريف النكبة الفلسطينية وبالموقف منها. وهو ما يقع عملياً في خانة التضييق على الموقف والتعبير عنه والتفكير فيه. وهذا التوجه هو الترجمة الخطيرة، التي قد تنبثق عن مساعي وزيرة الثقافة والرياضة عن حزب الليكود الحاكم، ميري ريغف، لإدخال تعديل على قانون الثقافة والفنون، أو قانون الولاء في الثقافة، الشهير باسم “قانون النكبة”، كي تمسك بصلاحية إلغاء أو خفض ميزانيات مخصصة وفقاً للقانون للمؤسسات الثقافية التي لا تلتزم بقائمة المحظورات الإيديولوجية التي ينص عليها هذا القانون.

الجديد في الأمر أن تلك الصلاحية كانت ممنوحة في الحكومة لوزارة المالية، ممثلة بمستشارها القانوني، والذي رفض 98 شكوى تقدمت بها تلك الوزيرة ضد مؤسسات “انتهكت قانون النكبة”. وعليه، فقد شنت ريغف حملة واسعة كي تسيطر وزارتها على تلك الصلاحية، مما يزيد بحدّة احتمالات تعمّق ملاحقة مؤسسات وهيئات ثقافية وفنية تتلقى بعض ميزانياتها من خزينة الدولة، أي من الضريبة التي يدفعها المواطنون.

وفي الأسبوع الفائت رضخ وزير المالية موشيه كحلون وأعلن، في بيان مشترك مع ريغف، عن التوجه إلى إدخال تعديل على “قانون الولاء في الثقافة” يخوّل وزارة الثقافة التطبيق، بزعم أنه “أصبح واضحاً أن الأدوات التي يوفرها قانون الميزانية لا تسمح بعلاج مناسب وفوري لظاهرة انتهاك قانون النكبة، وأن القانون الحالي لا يعدو كونه حبراً على ورق لا معنى له وغير قابل للتنفيذ”، كما أشارت صحيفة “هآرتس”.

وجاء في البيان المشترك أيضاً أنه “تم تقديم مشروع القانون المشترك كمذكرة وسوف يتم عرضه للمصادقة عليه من قبل اللجنة الوزارية للتشريع في تشرين الأول القادم”. وفي باب الضريبة الكلامية زعم الوزيران أن “إسرائيل تراعي الحرية الفنية، ولكن ليس حرية الاستفادة من الأموال العامة للإساءة إلى قيم الدولة ورموزها”. وأشارا إلى أن “هناك مجموعة صغيرة لا تفوّت أية فرصة للتحريض ضد إسرائيل والجيش الإسرائيلي”، على حد تعبيرهما.

نصّ ضبابي يفتح مجالاً لضرب حقوق وملاحقات سياسية ضد الفلسطينيين خصوصاً

“قانون النكبة”، كما حدّد مركز عدالة الحقوقي الفلسطيني المستقر في مدينة حيفا، فور سنّ القانون، الذي صادق عليه الكنيست في آذار 2011، هو قانون يخوّل وزير المالية تقليص التمويل الحكومي أو الدعم للمؤسسة التي تقوم بنشاط يعارض تعريف إسرائيل كـ”دولة يهودية وديمقراطية”، أو يحيي يوم استقلال الدولة أو يوم تأسيس الدولة على أنه يوم حزن وحداد. ودرج الفلسطينيون في إسرائيل على إحياء يوم استقلال إسرائيل الرسميّ بكونه ذكرى وطنية للحداد وتنظيم نشاطات سياسية مختلفة. ويؤكد المركز أن القانون بالتالي يمس حق الفلسطينيين ويقيد حريتهم في التعبير عن آرائهم، وسوف يسبب ضرراً كبيراً لمؤسسات ثقافية وتعليمية، وسيرسخ التمييز اللاحق بالمواطنين العرب. كما سيلحق القانون ضرراً كبيراً بمبدأ المساواة وبحق المواطنين العرب في الحفاظ على تاريخهم وثقافتهم، وذلك لأنه يحرمهم من حقهم في إحياء ذكرى النكبة التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من تاريخهم كعرب فلسطينيين، كما اختتم المركز.

هذا التقييم للقانون ومخاطره تم تأكيده أيضاً في التماس قضائي إلى المحكمة العليا قدّمه المركز المذكور بالاشتراك مع “جمعية حقوق المواطن”، ضد الحكومة الإسرائيلية، مطالباً بإلغائه. وجاء الالتماس باسم مؤسسات مختلفة مهددة كلها هي وشبيهاتها بالتضرّر من القانون الذي يسمح لوزير المالية بفرض الغرامات، كالمدارس والجامعات والسلطات المحلية، إذا ما قامت بتنظيم برامج يشار فيها إلى “يوم الاستقلال، أو يوم قيام دولة إسرائيل، كيوم حداد” أو تقوم بتنظيم مناسبات تنفي “تعريف دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية”. بين تلك الهيئات مدارس عربية كالكلية العربية الأرثوذكسية في حيفا، ومدارس عربية- يهودية مشتركة مثل مدرسة الجليل ثنائية اللغة في مسغاف، ومحاضرون جامعيون أحدهم البروفسور أورن يفتحئيل من جامعة بن- غوريون في بئر السبع.

وفقاً للمؤسسات الحقوقية النقديّة الرافضة للقانون، بنصه وبأهدافه، فإن أخطر ما فيه “نصه الضبابي، الذي قد يمكّن من فرض الغرامات على المؤسسة في حال تنظيمها لنشاط تذكر فيه نكبة الشعب الفلسطيني ليس فقط في ما تعتبره دولة إسرائيل كـ”يوم استقلالها” وإنما طيلة أيام السنة. كما يفرض القانون غرامات على المؤسسة التي تنتقد تعريف دولة إسرائيل “كدولة يهودية وديمقراطية” دون تحديد معايير واضحة لنوعية النشاطات التي تستوجب غرامات، الأمر الذي يبقي الباب مفتوحاً أمام وزير المالية لمعاقبة المؤسسات وفقاً لاعتبارات سياسية”.

هذه النقطة الأخيرة، استخدام القانون لاعتبارات سياسية، تكتسب خطورة مضاعفة في حال تم نقل صلاحية تطبيق القانون إلى الوزيرة ميري ريغف، وهي المعروفة بخطواتها وتصريحاتها وسياستها العنيفة ضد كل من لا يتساوق مع حدود الإجماع القومي الإسرائيلي. وهذا ليس لأنها صهيونية أكثر من غيرها، بل بسبب المخزون الديماغوغي الهائل الذي يوفر مصدر قوّة انتخابية لهذه الوزيرة وأمثالها في حزب الليكود وسائر أحزاب الائتلاف اليميني الحالي الحاكم. هنا يمكن مقارنة ملفات أخرى بهذه الحملة العدوانية ضد من “يجرؤ” على تسمية أهم مفاصل التاريخ الحديث لهذه البلاد باسمه، والإشارة إلى النكبة الفلسطينية بوضوح، كجزء أساس من الذاكرة الوطنية في حالة الفلسطيني، وكجزء مؤسِّس من التاريخ في حالة اليهودي الخارج عن حدود الخطاب الصهيوني المهيمن، والتي تُفرَض اليوم بإجراءات ترهيبية وعقابية مثل هذا القانون قيد البحث.

معاداة كل من يتحدى بل حتى من يختلف عن الخطاب الرسمي الصهيوني

الوزيرة ريغف أعلنت مراراً نواياها ملاحقة كل صوت نقديّ، بالعربية وبالعبرية، علماً منها وبانتهازيّة واضحة، أن هذه خطوات تعزّز مكانتها وتدريجها الانتخابي داخل حزبها اليميني وفي الرأي العام المحرَّض المحيط به. وكما سبق القول، في مقال آخر ضمن هذا الملحق، فإنه لمعرفتها بالشروخ الحساسة التي تقطّع المجتمع الإسرائيلي، راحت ريغف ترتب سياستها ببنود واضحة: معاداة كل من يتحدى أو يعارض بل حتى يختلف بهدوء عن الخطاب الرسمي الصهيوني، ومحاباة ومنافقة مجموعات يهودية إسرائيلية تشعر بالغبن الحقيقي بفعل سياسات التفرقة التاريخية والحقيقية بحقها، والتلاعب بوعيها بل تزييفه من خلال تركيز التحريض على الفلسطيني وعلى العربي عموماً، لتَقنِيَة النقمة والشعور بوطأة القمع الاجتماعي والاقتصادي والطبقي نحو “الخارج”، نحو “الآخر”، نحو “العدو المشترك لليهود”، وفقاً لهذا التكتيك الديماغوغي. فهذا الطرح الشعبوي- القومجي لدى ريغف، وهي ليست وحدها طبعاً في الحكومة، يأتي كي يغطي على أركان ودهاليز أخطر لمؤسسة الحكم اليمينية الراهنة.

لقد قدّرت المؤسسات الحقوقية الناشطة ضد القانون في التماسها أنه يتوقع له المساس على نحو خاص بحقوق المواطنين العرب الأساسيّة؛ فالصيغة الفضفاضة والضبابيّة للقانون تشكّل مصدرا للقلق بشأن المساس بميزانيات الكثير من المؤسسات العامة، المراكز الثقافية، والمراكز التربوية، والسلطات المحلية في مختلف أنحاء البلاد. وذلك سيعزّز من ملاحقة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

ويبدو الآن أن الحكومة تسعى لمنح وزيرة الثقافة “تفرّغاً” لتطبق القانون وعقوباته وإملاءاته بوتائر متسارعة. وهذا يهدد بتحقيق كل ما حذّر منه الملتمسون: إنه قانون إيديولوجي يسعى لطمس هوية المواطنين العرب القومية وذاكرتهم الجماعية، ويمسّ بشرعية مكانتهم كمواطنين متساوي الحقوق في الدولة. كذلك: هذا قانون يهدف إلى تضييق الخناق على النقاش العام حول أسئلة مبدئية تتعلق بطابع الدولة، وبالتالي فهو لا يمسّ بحرية جميع المواطنين في التعبير فحسب، إنما يمس كذلك بالمصلحة العامة للمجتمع بأسره. النقاش الحر والثاقب- حتى لو دار حول قضايا سياسيّة شائكة- ضروري لوجود المجتمع الديمقراطي المنفتح. وهذا الجزء الأخير يلقى ترجمة له في الحملات ضد هيئات إسرائيلية ناشطة ضد سياسات الاحتلال والاستيطان، مثل منظمة “بتسيلم” المناهضة للاحتلال، ومنظمة “لنكسر الصمت” المؤلفة من جنود وضباط سابقين يروون ما عايشوه وشاهدوه، وأحياناً ما ارتكبوه بأنفسهم، ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال.

من جهة أخرى، وعلى صعيد متصل بالنقطة الأخيرة، أبدت منظمة الممثلين في إسرائيل قلقها من نقل صلاحية تطبيق القانون والعقوبات المالية إلى وزارة الثقافة، وأكدت أن “منظمة الممثلين ستحارب على حرية التعبير والفن من خلال الحفاظ على القانون. لن نوافق على الاستخدام الانتهازي للثقافة، ولن نسمح بالمساس بميزانيات المؤسسات الثقافية بسبب النزعة السياسية لهذا الوزير أو ذاك. نحن عاكفون على دراسة القانون وما ينطوي عليه”.

“محاولات إنهاء الحديث عن النكبة تجعل منها مسألة ملتهبة تحتاج إلى جواب”

جاءت سلسلة القوانين المتشددة والتي نُعتت أحياناً بالفاشيّة ضمن توقيت محدد، ولغايات محددة. على صعيد الغايات، وضع اليمين الحاكم وعلى رأسه بنيامين نتنياهو تكتيكاً “بسيطاً” لتعزيز قوته، يتلخص بشحن الغرائز القومجية واستعداء الفلسطيني وكذلك اليهودي الذي يجرؤ على أدنى تضامن معه، وذلك وسط خلق جو من الخوف اللاعقلاني الذي يستدعي رصّ صفوف القبيلة. وهذا التكتيك مشتق بسلاسة من أي توجّه فاشي بتعريفه المعجمي! أما مسألة توقيت تلك القوانين، فقد عبر عنها كاتبان من منظمة “ذاكرات” الإسرائيلية الناشطة من أجل الاعتراف بالنكبة وبحق العودة للاجئين الفلسطينيين كشرطين لا يمكن الاستغناء عنهما للوصول إلى سلام عادل وشامل، مثلما تشير أدبيّاتها. وفي سياقنا كتب إيتان برونشتاين أباريسيو وإلينور ميرزا برونشتاين مقالا بالفرنسية تحت عنوان: “إسرائيل والنكبة من الاعتراف إلى الإنكار” (نشرت ترجمته للعربية في نيسان 2018) ورد فيه ما يلي:

“حين رأى النظام أن التعاطي مع النكبة خرج تماماً عن السيطرة، قرّر أن يتسلّح قانونياً لمجابهة الوضع الجديد. الصيغة الأولى لما صار يدعى بـ”قانون النكبة”، كان وحشياً إلى درجة أن بعض أعضاء الحزب الذي طرحه، مثل بنيامين بيغن، ضمّوا أصواتهم إلى الأصوات المعارضة له. وفي آذار 2011، تمّ التصويت على صيغة أكثر اعتدالاً من نفس القانون، ولكنها تهدف بوضوح إلى منع دراسة النكبة والاعتراف بها في إسرائيل. فيهدد مثلاً المنظمات التي تتلقى دعماً مالياً من الحكومة بتقليص هذا الدعم إذا ما أحيت ذكرى النكبة في يوم الاستقلال. ويخشى المعلّمون التضحية بحياتهم المهنية إذا ما شاركوا في المظاهرات والفعاليات أو حتى إن هم تطرقوا لموضوع النكبة”.

ويتابع المؤلفان: “وفي نفس الوقت، بالتوازي مع هذه الجهود التشريعية، أطلقت منظمة إم ترتسو حملة للعودة إلى حالة الإنكار الكامل للنكبة في إسرائيل. حرّرت المنظمة ووزعت كراسة بعنوان “النكبة، مجرّد هراء” تعيد بناء جميع الحجج الإسرائيلية المتعلقة بـ”كذبة” النكبة: ليست سوى نتيجة حرب حاول خلالها جميع العرب طردنا عام 1948. ولهذا من الطبيعي أن يدفعوا الثمن. إلا أن القانون والحملة سلّطا الضوء بشكل غير مسبوق على مسألة النكبة. وفي وسائل الإعلام، أصبحت كلمة نكبة دارجة في اللغة العبرية. ويستخدمها رجال سياسة وآخرون لتوصيف كوارث مختلفة وأحداثاً خلافية”.

واختتم المؤلفان: “اليوم، يُظهر مصطلح النكبة الاستقطاب الحاصل في المجتمع والخطاب الإسرائيليين. يعترف اليسار الإسرائيلي غير الصهيوني بمركزية النكبة في خلق النزاع كما في إمكانية حلّه. عدا عن ذلك، فقد أصبحت المعلومات حول النكبة موجودة ومتاحة للجميع وتزداد أكثر فأكثر. من ناحية أخرى، فإن المعركة التي يخوضها النظام الإسرائيلي لإحباط الحديث في موضوع النكبة قدر المستطاع، تثير غضب الكثيرين. على النقيض، هذه المحاولات لإنهاء الحديث عن النكبة تجعل منها مسألة ملتهبة تحتاج إلى جواب، وجرحاً مفتوحاً ينزّ باستمرار”.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.