Take a fresh look at your lifestyle.

الجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية المصرية : دلالات.. ودروس

0 35

مصطفى الحاج علي ـ كاتب لبناني – موقع الانتقاد 1/6/2012 

ثمة دلالات ودروس عدة حملتها المحطة الأولى للانتخابات الرئاسية في مصر، تستدعي الوقوف عندها لأهميتها الذاتية، ولأهمية ما تؤشر اليه:

أولاً: إن نسبة التصويت لم تكن متلائمة مع طبيعة الحدث نفسه، أي أن نسبة 46% تبدو قليلة اذا ما أخذنا بالاعتبار أننا أمام أول انتخابات رئاسية بعد الانتفاضة الشعبية التي أودت برأس النظام حسني مبارك، وبعد حمأة وحماوة التنافس بين مختلف القوى والأطراف السياسية، وبالرغم من الأهمية الدستورية لهذا الموقع حيث يحظى رئيس الجمهورية بسلطات واسعة بالقياس الى باقي السلطات.

هل هذا يعني أن شرائح شعبية كبيرة تجد نفسها غير معنية بما يجري على أهميته؟ وهل لدى هذه الشرائح يأس من امكانية احداث فارق؟ أم أن القوى السياسية على أنواعها لم تكن بالمستوى الذي يحفز أعداداً أكبر على الانخراط في عملية الانتخابات؟ أسئلة كثيرة تحتاج الى اجابة خصوصاً من القوى الثورية المعنية بالتغيير.

ثانياً: ان النسب التي حظي بها المرشحون الأوائل تشكل بحد ذاتها مفاجأة وصدمة كبيرتين:

أ ـ مرشح الاخوان حصل على 26% من مجموع الناخبين. أولى الملاحظات على هذه النسبة، أنها دون توقعات الإخوان أنفسهم الذين كانوا يراهنون على حسم المعركة الانتخابية من الجولة الأولى. ثمة تراجع ملحوظ في نسب الأصوات التي حصلوا عليها ما بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية والذي بلغ تقريباً الثلث (15 مليوناً في الانتخابات التشريعية، 5 ملايين في الانتخابات الرئاسية). الى ماذا يمكن رد هذا التراجع؟ الى تشرذم وتوزع الصوت الاسلامي عموماً، حيث وقف في وجهه مرشحون اسلاميون كعبد المنعم أبو الفتوح، والدكتور محمد سليم العوا .. الخ .. أم الى تراجع النسبة العامة للمرشحين ككل، أم الى الحملات الاعلامية والسياسية المكثفة التي خيضت ضد مرشح الإخوان من قبل وسائل اعلام السلطة ووسائل اعلام ممولة خليجياً، أم الى طبيعة شخصية المرشح نفسه الذي هوجم منذ اللحظة الأولى لاختياره، حيث اعتبر ترشيحه غير موفق، ام الى الخلاف داخل تيار الاخوان نفسه الذي توزع بين من يرغب بترشيح شخصية اخوانية للرئاسة، ومن يريد الالتزام بالموقف المسبق الداعي الى عدم ترشيح اخواني، أم الى عدم وجود اقتناع في أوساط مهمة مصرية بالخطاب السياسي والاعلامي، اضافة للوثوق بالوعود الاخوانية، ما دفعهم للاستنفار ضدهم .. الخ؟

أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الاخوان، وتدعوهم الى اجراء مراجعة واقعية وموضوعية، والنزول بالتالي الى أرض الواقع، لا سيما وأنه بدا واضحاً أن من صوّت لمرسي هم الكتلة الصلبة والمنظّمة من الاخوان.

ب ـ مرشح النظام السابق والمؤسسة العسكرية أحمد شفيق والذي حظي بنسبة 23% من الأصوات ما جعله المنافس الأوحد لمرشح الاخوان. هذه النسبة لها دلالاتها أيضاً، أبرزها:

ـ ان النظام ما زال موجوداً وفاعلاً وقوياً، وأنه الطرف المنظم الرئيسي في مقابل الاخوان، وأنه يحصل على تأييد ودعم تحالف دولي ـ اقليمي عريض يبدأ بالولايات المتحدة ويمر بالسعودية ودول خليجية أخرى، حيث ان المال الخليجي والاعلام الخليجي وقف بكل قوته وراءه.

ج ـ المرشح الأبرز للقوى الثورية حمدين صباحي والذي حظي بنسبة 22%، أي بفارق 1% عن شفيق. الحقيقة ان حصول حمدين صباحي على هذه النسبة شكل مفاجأة كبيرة لكثيرين، لكنه أكد بدوره أن القوة الثورية حاضرة أيضاً، وتستطيع أن تفعل الكثير، ولا يمكن القفز عنها حتى لو لم تصل الى سدة الرئاسة.

ثالثاً: من الواضح، وبالنظر الى دلالات الأرقام، أن مشكلة القوى الثورية في مصر تكمن في الدرجة الأولى في عدم توحدها وتفاهمها على برنامج سياسي موحد، وإلا لكانت حسمت معركة الرئاسة لمصلحتها من الجولة الأولى، ذلك أن مجموع ما حصل عليه هؤلاء من نسب يتجاوز الـ 50%، والحقيقة أن مشكلة هذه القوى منذ البداية تكمن هنا، أي في افتقادها لزعامة تاريخية قادرة على أن توحدها وتجمعها تحت لواء مشروع سياسي موحد.

رابعاً: الصورة الاجمالية للأرقام عكست التالي:

أ ـ ثمة استعادة للتنافس في صورة ما قبل سقوط حسني مبارك، حيث كان يدور بين النظام والاخوان، وها هو يعود مجدداً بين الاثنين.

ب ـ يبدو أن المجلس العسكري وفلول النظام مع الدعم الاميركي والخليجي قد نجحوا في ضبط الوضع المصري في إطار من التوازن الدقيق بين القوتين الأكثر تنظيماً وتماسكاً: الدولة وأجهزتها والاخوان واجهزتهم.

ج ـ ان خروج القوى الثورية من معادلة التنافس لا يعني خروجها من دائرة أهم وهي دائرة الشرعية الثورية والاخلاقية، هنا تحديداً يبدو كل من النظام والاخوان بحاجة الى هذا اللحاف الثوري، بقدر ما كل منهما بحاجة الى اصوات ناخبيه، لا سيما وان التنافس بين الاثنين سيكون حاداً وعلى فروقات قليلة.

خامساً: ان مسارعة مرشح الاخوان الى تقديم سلة من التقديمات الكبيرة التي قد لا تكون مألوفة في خطاب الاخوان كاشفة عن ادراكه وادراك حركته:

أ ـ حدة التنافس وقساوته، وان هناك قوى كبيرة ترغب في اعادة انتاج النظام السابق بالوسائل الديموقراطية كالولايات المتحدة والسعودية وسواهما.

ب ـ ان الحاجة ماسة لتحالف جدي مع القوى الثورية لضمان تعديل التوازن السياسي والانتخابي في مقابل تحالف النظام السابق وقواه المختلفة مع قوى الخارج هذه.

ج ـ هناك قناعة تشكلت لدى الاخوان بأنهم لن يستطيعوا الحكم بمفردهم.

سادساً: تبدو القوى الثورية مطالبة اليوم ايضاً بتكريس رؤية موضوعية ترتكز الى:

أ ـ ان حركة الاخوان ليست مجرد حركة دعوية ـ اجتماعية وانما حركة سياسية راسخة لها جذورها الاجتماعية والتاريخية التي لا يمكن القفز عنها او معاداتها.

ب ـ عدم المساواة بين النظام وحركة الاخوان، فالفارق كبير بين الاثنين.

ج ـ الآن تبدو الفرصة التاريخية لإنتاج تحالف يرتكز على مقاربة سياسية مشتركة لواقع مصر الحالي والتحديات التي تنتظرها، وطرق الخروج منها، بالإضافة الى رسم التوازنات الضابطة للالتزامات المشتركة.

سابعاً: بمعزل عن الرئيس المقبل وهويته السياسية، من الواضح أن مصر ستدخل مرحلة دقيقة من التوازن السياسي الحساس، ما سيجعلها عرضة للاهتزازات المتنوعة، لا سيما وأن هناك استحقاقات بارزة بالانتظار كتلك الخاصة بانشاء دستور جديد وتحديد صلاحيات رئيس الجمهورية ودور الجيش وموقعه في السلطة، هذا فضلاً عن الأوراق المستورة والمخبأة التي يمكن ان يلعبها هذا الطرف او ذاك.

ثامناً: لا شك أن ما ستؤول اليه الأمور في مصر سيكون له انعكاساته المتنوعة على مجمل المشهد سواء ذلك الخاص بالثورات العربية، أم ذاك الخاص بخريطة الصعود الاسلامي في المنطقة، وهذا ما يفسر الدخول الاميركي السعودي بقوة على خط التأثير على مجريات الأمور في مصر.

تاسعاً: كخلاصة عامة، يمكن القول ان هناك دروساً متنوعة على كل الأطراف السياسية المعنية بنهوض مصر الالتفات اليها، لإعادتها الى موقعها ومكانتها العربية والاسلامية لا سيما في مواجهة المشروع الاستعماري الاميركي، والمشروع الصهيوني، فالوقت المتاح قليل، والجميع مسؤول ومطلوب منه التواضع، والخيار يبقى أولاً وأخيراً للمصريين، لأن أهل مكة أدرى بشعابها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.