Take a fresh look at your lifestyle.

التنافس الفرنسي الإيطالي وحدود تطورات الأزمة الليبية

0 17

المركز العربى للبحوث والدراسات – محمود جمال عبد العال – 31/10/2018

ظهرت الخلافات والتباينات في المواقف الفرنسية الإيطالية في الأزمة الليبية بشكلٍ واضح؛ حيث اعتبرت روما أن ليبيا تمثل مناطق نفوذ استراتيجي لها منذ الحقبة الكولنيالية، وترى أن فرنسا تزاحمها في مناطق نفوذها التقليدي. وتعتبر التحليلات أن الصراع الفرنسي الإيطالي يرتبط في الأساس بمصالحهم في ليبيا وهو ما يعيدنا إلى حقبة المنافسة بين القوى الأوربية في القرن التاسع عشر الساعية للهيمنة على الموارد الاقتصادية لهذه الدول. في هذا السياق، سنتناول في هذا التقرير المواقف الفرنسية الإيطالية تجاه الأزمة الليبية خاصة فيما يتعلق بموقفهم من الانتخابات، والجوانب الاقتصادية ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية

الموقف الفرنسي من الأزمة الليبية

بعد سقوط القذافي، تولت فرنسا مسئولية السياسة الأوربية المتعلقة بليبيا وعلى رأسها تدخل حلف شمال الأطلسي لحسم الصراع في ليبيا. وقاد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” جهودًا للوساطة بين الأطراف الليبية؛ حيث توصل الفرنسيون إلى اتفاق بين حكومة “فايز السراج” المعترف بها دوليًا، والمشير “خليفة حفتر” قائد الجيش الوطني الليبي. وأكد الاتفاق بين الفرقاء الليبيين على ضرورة حل الأزمة الليبية بالطرق السلمية، والعمل على تحقيق المصالحة الوطنية، والتجهيز لإعادة بناء المؤسسات لاستعادة الاستقرار السياسي خاصة في ضوء ما تشهده ليبيا من تنامي للتنظيمات الإرهابية وموجات الهجرة غير الشرعية التي تهدد الضفة الشمالية للمتوسط.(1) ويعتبر الموقف الفرنسي تجاه ليبيا نابعًا بالأساس من المصالح الفرنسية داخل ليبيا، والتي يُمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1-     تحقيق الاستقرار، والتغلب على الإرهاب: تسعى فرنسا لاستعادة الاستقرار المفقود في مناطق النفوذ الفرنسي منذ سقوط حكم “القذافي” عام 2011. وانعكس عدم الاستقرار الليبي على الاستقرار السياسي في مناطق النفوذ التقليدي الفرنسي في مناطق الساحل والصحراء؛ حيث تشير التقارير الغربية إلى أن معظم مرتكبي الهجمات الإرهابية الكبيرة في عام 2015 قد أمضوا بعض الوقت في ليبيا، وحصلوا على الأسلحة والتدريب هناك.(2) تجدر الإشارة إلى أن ضعف السيطرة على الحدود الممتدة مع ليبيا لأكثر من 4500 كيلو مترًا أسهم بشكلٍ كبيرٍ في تسهيل نقل الأسلحة بين الحدود. وتعتبر فرنسا التي عانت خلال العامين الماضيين من خطر تمدد العمليات الإرهابية إلى داخلها أن إغراق المنطقة بالسلاح أدى إلى تعزيز قوة الجماعات المتطرفة وصعود الدولة الإسلامية في منطقة الصحراء الكبرى، كما أدى إلى استخدام جماعة بوكو حرام الأراضى الليبية في تهريب الأسلحة بل واعتبرت ليبيا حديقة خلفية لأنشطة التنظيم الإرهابية.

2-     استعادة الدور الفرنسي في أفريقيا: حمل الرئيس “ماكرون” في أجندته السياسية في الانتخابات الرئاسية التي فاز بها مؤخرًا  خطة لاستعادة الدور الفرنسي المفقود في مناطق المستعمرات القديمة خاصة في أفريقيا، وبرزت أهمية ليبيا نتيجة لمتاخمتها المستعمرات الفرنسية القديمة مثل تونس وتشاد والجزائر والنيجر.

3-     البحث عن رجل فرنسا القوي: تربط فرنسا بين الاستقرار السياسي في ليبيا وضرورة إجراء الانتخابات وبناء المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ إذ تعتمد استراتيجية باريس لتحقيق الاستقرار في ليبيا على أساسين هما؛ تكوين جيش نظامي تحت إشراف الجيش الوطني الليبي بقيادة “حفتر” للسيطرة على أجزاء كبيرة من الأراضي الليبية، إضافة إلى مراهنتها على إجراء الانتخابات؛ حيث يعتبر “بين فيشمان” في تقرير له أن باريس تدفع بضرورة إجراء الانتخابات، ويعتبر “فيشمان” أن الجدول الزمني الذي حدده “ماكرون” قد هيأ “حفتر” للسباق الرئاسي وهو ما يمكنه من تحقيق ما تتطلع له فرنسا من ضرورة استعادة الأمن والاستقرار.(3)

4-     مجابهة الهجرة غير الشرعية: تعاني دول أوربا من أحداث العنف التي ضربت مناطق الضفة الجنوبية للمتوسط؛ حيث أسهم عدم الاستقرار السياسي والأمني إلى وصول موجات كبيرة من الهجرة غير الشرعية تجاه الدول الأوربية المتاخمة للمتوسط، وهو ما كان يهدد عملية الاستقرار داخل الاتحاد الأوربي. وتشير التقارير  إلى أن ليبيا تمثل نقطة انطلاق هامة في خريطة الهجرة غير الشرعية؛ حيث أنها كانت مقصد للعمل من قبل رعايا الدول الأفريقية الفقيرة؛ حيث كان يعتبرها العمال الأفارقة محطة لجمع الأموال لدفعها للمهربين، وتنامت موجات الهجرة غير الشرعية في ضوء عدم الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا بعد عام 2011.(4)

5-     تحقيق مكاسب اقتصادية: تطمح باريس من خلال شركاتها ومؤسساتها لتحقيق مكاسب اقتصادية من تدخلاتها في ليبيا؛ حيث تنظر فرنسا إلى مرحلة ما بعد الحرب التي ستتضمن إعادة بناء الجيش الليبي بعد إجراء الانتخابات فضلًا عن مشاريع البنية التحتية التي سيتم طرحها في مرحلة إعادة إعمار ليبيا.

الموقف الإيطالي من الأزمة الليبية

بدأت المصالح الإيطالية في ليبيا مبكرًا بدءًا من الحقبة الاستعمارية وصولًا إلى ضمان روما لصفقات الغاز الطبيعي والتنقيب عن البترول في ليبيا في عهد العقيد الليبي “معمر القذافي”، وتجاوزت الصفقات الليبية الإيطالية في ذلك الوقت حد الخمسة مليارات دولار. على صعيدٍ آخر، لعبت روما دورًا إيجابيًا في إعادة ليبيا في عهد “القذافي” إلى الحاضنة الدولية؛ حيث ضمنت سلوك النظام السياسي الليبي، وهو ما أتاح لها الظفر بصفقات الطاقة والبنية التحتية الليبية.(5) وتعد طرابلس المجال الحيوي والعمق الاستراتيجي لروما ورمزًا لإحياء إمبراطورتيها الرومانية في جنوب البحر المتوسط. تسعى إيطاليا إلى إعادة التموضع والانتشار في منطقة المتوسط خاصةً في ظل تداعيات الثورات العربية وانعكاساتها السلبية عليها.

وارتبط الموقف الإيطالي من تطورات الأزمة الليبية بصعود حكومة اليمين المتطرف في روما، وتتشابك المصالح الإيطالية في ليبيا بين عقد الصفقات والمصالح الاقتصادية إضافة إلى قضية منع تدفقات المهاجرين غير الشرعيين نحو السواحل الإيطالية عبر البحر. وسنحاول فيما يلي إبراز النقاط التي تعمل عليها السياسة الإيطالية:

1-     منع وصول المهاجرين غير الشرعيين إلى السواحل الإيطالية: بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا نحو 491 ألف مهاجر عام 2017. لذلك اعتمد اليمين المتطرف في حملته الانتخابية على توظيف هذه القضية التي أثارت الداخل الإيطالي خاصة مع ارتفاع نسب طلبات اللجوء منذ تدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الجنوبية للمتوسط عام 2011. لذا عملت حكومة اليمين المتطرف فور تشكيلها على منع وصول المهاجرين الأفارقة إلى السواحل الإيطالية. وفي هذا السياق، تعد مناطق الغرب الليبي من أكثر المناطق تصديرًا للمهاجرين؛ حيث يُبحر المهاجرين الأفارقة نحو إيطاليا وأروبا عبر ليبيا بعد قطع طريق شرق المتوسط الذي يمر بتركيا. ويبرر ذلك حرص الحكومة الإيطالية على إقامة علاقات دبلوماسية مع مناطق الغرب الليبي؛ حيث تدرك إيطاليا حاجتها الضرورية في وقف تدفقات المهاجرين.

2-     تعظيم المصالح الاقتصادية خاصة في مجال الطاقة: تمتلك إيطاليا علاقات قوية مع مناطق الغرب الليبي خاصة في مجال الطاقة؛ حيث تعمل شركة إيني الإيطالية بالتنسيق مع شركة النفط الوطنية الخاضعة لحكومة السراج. من ناحيةٍ أخرى، تعتبر روما أن المشير “حفتر” يميل للجانب الفرنسي، ويعمل ضد مصالحها، وهو ما تؤكده بعمل الجيش الوطني على تأسيس شركة نفط خاصة بمناطق الشرق الليبي لإضعاف شركة النفط الوطنية. إلى جانب ذلك، تحاول روما الدخول بشركاتها ومؤسساتها في مراحل إعادة الإعمار استنادًا لدورها التاريخي هناك باعتبار أن ليبيا مناطق نفوذ تقليدي لها.

3-     تحقيق المصالحة الشاملة كشرط للانتخابات: ترفض روما إجراء الانتخابات بشكلٍ متسرع في ليبيا قبل تحقيق مصالحة شاملة بين الأطراف كافة، وبالتالي ترهن الانتخابات بتحقيق هذه المصالحة. وتعتبر إيطاليا أن وصول الليبيين إلى إجراء انتخابات متسرعة دون حلٍ للخلافات السياسية سيُدخل طرابلس وضواحيها في دوامة من العنف، وهو من شأنه أن يقوض مصالح إيطاليا الضرورية في ليبيا. وتحذر إيطاليا من تكرار نموذج العراق الذي هرول بعد سقوط نظام “صدام حسين” نحو الانتخابات.(6)

ختامًا؛ انعكس التنافس الإيطالي الفرنسي على تحولات جذرية في ليبيا خاصة في المجال الأمني وتعزيز المواجهة العسكرية بين مناطق الشرق (المدعوم فرنسيًا)، والغرب (المدعوم إيطاليًا). وما يُشكل خطورة على تطورات المشهد العسكري داخل ليبيا أن إيطاليا تنتهج في علاقاتها مع الغرب الليبي البرجماتية؛ حيث تقيم علاقات مع حكومة السراج في نفس الوقت الذي تُقيم فيه علاقات مع الميليشيات العسكرية التي تعمل فرنسا مع “حفتر” للقضاء عليها.

الهوامش

1-     آية عبد العزيز، استعادة المكانة.. تنامي النفوذ الفرنسي في المنطقة العربية (17/12/2017)، مركز البديل للتخطيط والدراسات، على الرابط :  https://goo.gl/EZ1NHu

2-           ROBBIE GRAMER, HUMZA JILANI, Libya an Obstacle on Tunisia’s Path to Stability, August 6, 2018, Foreign Policy, Accessible at :https://goo.gl/8s36pJ .

3-           Ben Fishman, Haftar’s Play for Libyan Oil, The Washington Institute for Near East Policy, (3/7/2018), Accessible at : https://goo.gl/MHhZPT

4-     أحمد قاسم حسين، ليبيا ومعضلة الهجرة غير القانونية في مصفوفة تتبع اللجوء، المركز العربي للأبحاث، ص4، على الرابط : https://goo.gl/omcCqa

5-     آية عبد العزيز، محددات التحرك.. إيطاليا والميدان الليبي إلى أين؟ (17/2/2018)، مركز البديل للتخطيط والدراسات، على الرابط : https://goo.gl/zB45N1

6- FraFrance and Italy Each Go Their Own Way on Libya, Starfor, (5/9/2018), Accessible at : https://goo.gl/tsJ5SY

5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.