Take a fresh look at your lifestyle.

التنافس الإسرائيلي الإيراني على أرض أمريكا الجنوبية

0 229

إعداد  فريق تحرير نون بوست  – 14/1/2019

كانت إيران و”إسرائيل” عدوين لدودين، منذ عام 1979، عندما أطاح الثوار الإيرانيون بنظام الشاه محمد رضا بهلوي ونقلوا البلاد لأول مرة إلى النظام الجمهوري المؤسس على نظرية “ولاية الفقيه”، ومنذ ذلك الحين، امتدت العداوة إلى مناطق خارج منطقة الشرق الأوسط – مكانها الحار – وأثرت على الأمن القومي والسياسات الخارجية للدول في جميع أنحاء العالم.

وتعتبر أمريكا الجنوبية بتاريخها الثوري وسياساتها المنبثقة من الحركات الثورية اليسارية والديكتاتوريات اليمينية العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية واحدة من هذه المناطق التي تجمع على أرضها ألد الأعداء، حيث سعت طهران ولبنان (حزب الله اللبناني)، بنجاح نسبي، إلى تقويض المصالح الإسرائيلية.

بعد فوز “ترامب البرازيلي” ليس كما قبله

في 18 من يوليو/تموز 1994، كان الهجوم على مبنى الجمعية التعاضدية اليهودية الأرجنتينية (تفجير آميا)، الذي أودى بحياة 85 شخصًا وجرح أكثر من 300 شخص، لحظة فاصلة في تصاعد وتيرة العداء بين إيران و”إسرائيل”، وكان أعنف تفجير في الأرجنتين أكثر من أي وقت مضى.

بعد أكثر من عقدين، في يناير/كانون الثاني 2015، عُثر على ألبيرتو نيسمان المدعي العام الأرجنتيني الذي يقود التحقيق في التفجير ميتًا في شقته، بعد أيام قليلة من اتهامه للرئيسة السابقة كريستينا كيرشنير بالتدخل لمنع المحاكمة عن مسؤولين إيرانيين والتغطية على علاقة إيران بالهجوم الإرهابى الأكثر دموية في أمريكا الجنوبية.

من المؤكد أن رئاسة بولسونارو ستتبع نهجًا مختلفًا تجاه العلاقات مع “إسرائيل”، وتوجَّه بعيدًا عن سياسات المواجهة للحكومات اليسارية السابقة

بينما تواصل طهران السيطرة على أجزاء من أمريكا الجنوبية، فإن صعود مؤيد إسرائيلي جديد قوي في المنطقة قد يحد من نفوذها بشكل كبير في السنوات القادمة، فهو كما يراه البعض “ترامب البرازيلي”، حيث تجمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواسم مشتركة باعتبارهما سياسييْن يمينييْن أقرب إلى “إسرائيل” منهما إلى إيران.  

مؤخرًا أدَّى السياسي المنتمي لأقصى اليمين جايير بولسونارو الذي أعرب مرارًا عن تعاطفه مع “إسرائيل”، اليمين الدستورية، ليصبح رسميًا الرئيس الـ38 للبرازيل، أكبر دولة بأمريكا اللاتينية وأكثرها من حيث عدد السكان، وهو فوز رأى فيه نتنياهو أنه سيؤدي إلى “صداقة كبيرة بين الشعبين وإلى تعزيز العلاقات بين البرازيل وإسرائيل”.

ومع انتخاب بولسونارو، من المؤكد أن رئاسته ستتبع نهجًا مختلفًا تجاه العلاقات مع “إسرائيل”، وتوجَّه بعيدًا عن سياسات المواجهة للحكومات اليسارية السابقة، التي وصلت إلى حد الاعتراف بالدولة الفلسطينية واستدعاء السفير البرازيلي للاحتجاج على الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2014.

في هذه الفترة، وقبل صعود اليمين المتطرف في أجزاء من القارة عاشت “إسرائيل” أزمات دبلوماسية بالجملة مع أمريكا اللاتينية، وسبقها خيبة أمل إسرائيلية قامت دول يقودها اليسار بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل” كفنزويلا وبوليفيا في 2009، في حين كانت إيران وحزب الله يعيشان توافقًا إستراتيجيًا مُعاديًا للهيمنة الأمريكية بعدما باتت فنزويلا مركزًا لمنح جوازات السفر غير المزورة لتسهيل تنقلاتهم بحرية.  

حتى قبل توليه منصبه رسميًا، بدأ بولسونارو خلال حملته الانتخابية في تقديم وعود لنقل سفارة البرازيل في “إسرائيل” من تل أبيب إلى القدس، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد أعاد التأكيد على الوعود عندما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية – هي الزيارة الأولى من نوعها للبرازيل لرئيس دولة إسرائيلي – في أواخر ديسمبر/كانون الأول، وردًا على تأكيد نتنياهو على “التعاون المتبادل”، وقال الرئيس البرازيلي اليميني المتطرف: “سنكون إخوة أكثر من شركاء”.

“البرازيل بالأبيض والأزرق”

بولسونارو يظهر على طرف النقيض تمامًا من سابقيه أمثال دي سيلفا وكيرشنير، وقد ذكّرت الصحافة العالمية بمواقف عديدة له مثيرة للجدل، لا يبدو قرار نقل السفارة سوى عنصر واحد فاقع فيها، وبينما عنونت “رويترز” بعد انتخاب بولسونارو “مرشح أقصى اليمين المؤيد لإسرائيل، يفوز برئاسة البرازيل”، ذكّرت صحيفة “الغارديان” بقوله عن اللاجئين إنهم “حثالة الأرض يأتون إلينا”، وعن حقوق الإنسان “أنا أؤيد التعذيب”، وعن المثليين “لن أكون قادرًا على حب ابني إن كان مثليًا، أفضّل أن يموت”.

هذه المواقف في مجملها تمثل النوع المفضَّل من الرؤساء لتل أبيب، وهذا التعاون الذي تحدث عنه نتنياهو من المرجح أن يشمل جهودًا مشتركة للحد من النفوذ الإيراني ومكافحة الأنشطة المالية المشبوهة لـ”حزب الله” في أمريكا اللاتينية، التي أصبحت أيضًا هدفًا رئيسيًا في حملة إدارة ترامب ضد تجارة المخدرات والإرهاب.

وقد بدا موقف العداء البرازيلي تجاه إيران مبكرًا، ففي سبتمبر 2018، اعتقلت الشرطة البرازيلية أسعد أحمد بركات وهو مواطن لبناني تتهمه الولايات المتحدة والأرجنتين بغسل الأموال نيابة عن “حزب الله”، ويعمل كواحد من كبار مشغليها الماليين في المنطقة، وفي عام 2006، صنفت وزارة الخزانة الأمريكية بركات بأنه “إرهابي عالمي” ووضع اسمه على القائمة السوداء لممثلي حزب الله في منطقة الحدود الثلاثية، وهي منطقة ذات حدود ثلاثية تربط باراغواي والأرجنتين والبرازيل.

لا يختلف ذلك عن موقف وزير الخارجية الجديد في البرازيل إرنستو أراوجو، وهو مناهض لليسار ومعجب بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياسته الخارجية “أمريكا أولاً”، وصف بالفعل النظام الإيراني بأنه جزء من “الأصولية الإسلامية الرهيبة التي أصبحت تلوث الشرق الأوسط”، كما هاجم الحكومة الفنزويلية، الحليف الرئيسي لإيران في أمريكا الجنوبية، وحث المجتمع الدولي على “تحرير” فنزويلا من طغيان حكومتها اليسارية بقيادة الرئيس نيكولاس مادورو.  

مع تحول البرازيل إلى معقل للسياسات المؤيدة لـ”إسرائيل” في ظل حكم بولسونارو، من المرجح أن تشهد حليف إيران الرئيسي في المنطقة، فنزويلا، ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة من جارتها الجنوبية

ولعل ما يسلط الضوء على ما حصله مرشح الحزب الاجتماعي الليبرالي بولسونارو من دعم من الاحتلال الإسرائيلي نحو أسبوعٍ من فوز بولسونارو، انتشار صورة لابنيه كارلوس وإدواردو، وهما يسيران جنبًا إلى جنب مرتديين قميصين يحملان شعاري الموساد وجيش الاحتلال الإسرائيلي، صورة أعقبتها تعليقات تحمل اتهامات لابني الرئيس بأنهما على خطى والدهما يروجان للسياسة الإسرائيلية.

وقبل شهر من هذه الواقعة، ردد إدواردو بولسونارو، نجل الرئيس بولسونارو وعضو البرلمان الفيدرالي، رؤية للسياسة الخارجية شبيهة برؤية وزير الخارجية البرازيلي أراوجو، فيما يتعلق بالعلاقات مع فنزويلا وإيران، وفي مقابلة مع وكالة “بلومبرج” في أكتوبر/تشرين الأول، أعلن موقفه من إيران بشكل واضح: “الموقف المؤيد لإيران سيتغير”، مضيفًا “جانبنا ضد حماس وحزب الله وتنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام”.

هل يمكن لعلاقات البرازيل مع إيران أن تنجو من إدارة جديدة؟

في أعقاب “عملية الرصاص المصبوب” (العدوان على غزة 2008) التي شنتها “إسرائيل” على قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 2008، وخلفت نحو 1400 فلسطيني، بينهم 400 من القتلى وآلاف الجرحى، طردت الحكومة الفنزويلية بقيادة الرئيس السابق هوجو شافيز السفير الإسرائيلي في كاراكاس قبل قطع كل العلاقات الدبلوماسية.

لعبت علاقات تشافيز الوطيدة مع الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد والروابط الثنائية الوثيقة التي تمتعت بها إداراتهم دورًا رئيسيًا في القرار، وبعد بضعة أشهر، وفي أبريل/نيسان 2009، بدأت فنزويلا علاقات دبلوماسية رسمية مع السلطة الفلسطينية، وأعلنت افتتاح سفارة فلسطينية في كاراكاس.

لكن مع تحول البرازيل إلى معقل للسياسات المؤيدة لـ”إسرائيل” في ظل حكم بولسونارو، من المرجح أن تشهد حليف إيران الرئيسي في المنطقة، فنزويلا، ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة من جارتها الجنوبية، ومن المرجح أيضًا أن تتابع الحكومة البرازيلية الجديدة سياسات تغيير النظام على غرار الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، أثار قرار حكومة بولسونارو بنقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس غضب الجامعة العربية التي تضم 22 دولة، ولكن لا يبدو أنها تعمل بمثابة مراقب على سياسة برازيليا الخارجية المؤيدة لـ”إسرائيل”، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواجهة الجمهورية الإسلامية، في حين أن بعض اللاعبين الأقوياء في العالم العربي، ليس أقلهم المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة، تربطهم علاقات دافئة مع “إسرائيل” منذ بداية رئاسة ترامب، وسعوا – بوساطة أمريكية – إلى تعزيز تحالف غير متوقع ضد عدوهم المشترك إيران.  

وبحسب مقال نُشر مؤخرًا على موقع مؤسسة المجلس الأطلسي البحثية في مجال الشؤون الدولية، قد يثير بولسونارو غضب العديد من الأصدقاء العرب التقليديين للبرازيل من خلال الإعلان عن خطط لنقل السفارة إلى القدس، ويقوض مبيعات الدواجن واللحوم الحلال بملايين الدولارات للدول الإسلامية، حيث تبلغ صادرات البرازيل إلى الشرق الأوسط وحدها 16 مليار دولار سنويًا، لا يذهب منها سوى 3% لـ”إسرائيل”.

ولعل ما يمكن أن يحد من عدوانية موقف البرازيل المناهض لإيران هو الحجم الكبير للتجارة الثنائية التي ارتفعت بشكل كبير بعد الاتفاق النووي لعام 2015، وجعلت دول أمريكا الجنوبية أحد شركاء إيران التجاريين الرئيسيين في عام 2017، فالبرازيل هي سابع أكبر شريك تجاري لإيران، أما فنزويلا، فقد ذكر تقرير لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أن هناك تعاونًا خفيًا بينهما في مجال تخصيب اليورانيوم.

بينما يبدأ بولسونارو بإلقاء ثقله في أمريكا الجنوبية، فإن إيران ستشعر بالتأكيد بازدياد العداء في المنطقة، ومن المرجح أن تخسر بعض المعارك السياسية في حربها الدبلوماسية مع “إسرائيل”

وبحسب مدير برنامج “ستاين” للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في معهد واشنطن ماثيو ليفيت “تبقى أنشطة إيران وحزب الله كثيفة في أمريكا اللاتينية”، وهناك احتمال آخر وهو تعزيز الأواصر مع الجالية العربية الشيعية اللبنانية تحديدًا، والمقيمة في دول أمريكا اللاتينية، عبر إقامة علاقات اقتصادية وطيدة معها خاصة أنها تتمتع بنفوذ اقتصادي كبير، ونشاط حركة التجارة فيها.

ومع ذلك، وبينما يبدأ بولسونارو بإلقاء ثقله في أمريكا الجنوبية، فإن إيران ستشعر بالتأكيد بازدياد العداء في المنطقة، ومن المرجح أن تخسر بعض المعارك السياسية في حربها الدبلوماسية مع “إسرائيل”، لذلك تريد طهران زعزعة استقرارها وتشكيل منطقة ضغط عليها من خلال تلك العلاقات والنفوذ المحتدم، لتستفيد منه لاحقًا في بعض الامتيازات.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.