Take a fresh look at your lifestyle.

التعليم في القدس والمحاولات المستمرة لغزو الفكر وتشويه الهوية

0 65

مركز الناطور للدراسات والابحاث

يشكل التعليم في القدس أحد أهم وأخطر التحديات التي يواجهها المجتمع المقدسي، والذي ينفرد بخصائصه وميزاته تبعاً لخصوصية الواقع في القدس، وتنبع هذه التحديات من أهمية التعليم، وعلاقته المباشرة في بناء الفكر والقيم والمفاهيم والمبادئ، وفي بناء هوية الأفراد والمجتمعات. هذه الأسباب وغيرها دفعت الاحتلال وأتباعه لإعداد العدة على مر السنين، للنيل من الإنسان المقدسي وطمس هويته وتشويه مضمونه بما يخدم مصالح الاحتلال وأعوانه. فتم إستهداف الطالب والمعلم والمادة الدراسية والبناية المدرسية وما حولها، حتى بات الآلاف بدون أي إطار تعليمي، وارتفعت نسبة التسرب والعنف بين الطلبة، وزاد تدهور القيم والمبادئ واختلطت المفاهيم.

يناقش هذا المقال أحد أهم التحديات التي يواجهها التعليم المقدسي وهي المادة الدراسية. فقد استخدم الاحتلال شتى الأساليب لتزييف الحقائق وصياغة الروايات بما يخدم أهدافه ومصالحه عبر السنين. وسنبين هنا بعض أساليب الاحتلال لغزو فكر وهوية المقدسيين. ولهذا الغرض نوضح بداية أن عملية الغزو الفكري ليست محدودة فقط بعمل مؤسسات الاحتلال التقليدية، بل تشمل دائرة واسعة تتعاون فيها عدة أطراف – بموجب اتفاقيات معلنة أو بدونها- سواء كانت حكومات أو منظمات رسمية وغير رسمية. مما زاد من حالة البلبلة بين صفوف المقدسيين، نتيجة ارتفاع وتيرة خلط الحق بالباطل، والحقائق بالأكاذيب، تحت رايات مزيفة تحمل شعارات براقة، من حب وتسامح وسلام وحرية، وفي حقيقتها تهدف الى كسر الانسان المقدسي الذي تكالبت عليه الأعداء لطمس هويته وتشويه مضمونه.

سوف نتطرق هنا لدائرتين مركزيتين يعمل من خلالهما الاحتلال :

  1. الدائرة الاولى هي مؤسسات الاحتلال والتعاون بينها فيما يتعلق بتعليم المقدسيين، والدائرة الثانية وهي الأوسع تناقش التعاون بين الإحتلال والأطراف المختلفة في هذا المجال ولا سيما ذلك الناتج عن الاتفاقيات.
  2. الدائرة الاولى: مؤسسات الاحتلال.

تعمل وزارة التربية والتعليم «الاسرائيلية» يدا بيد مع وزارة الخارجية ووزارة الأمن-الجيش-، في بناء السياسات واتخاذ القرارات المتعلقة بالتعليم في القدس. فمن جهة، تعمل وزارة التربية والتعليم مع بلدية الاحتلال في القدس، على تحويل الكتب الدراسية التي تنتجها السلطة الى متخصصين لدراستها، وحذف المادة التي تتعارض مع سياسات الاحتلال، ومن ثم تتم طباعة الكتب مرة اخرى بعد تغييرها، وتمنع المدارس في القدس من استخدام الكتب الدراسية الا تلك التي طبعت على يد الاحتلال، وتكلف هذه العملية ما يقارب ٣ مليون شيكل (1).

ومن جهة أخرى، تتم دراسة المناهج في القدس بواسطة وحدة في وزارة جيش الاحتلال تدعى «مكتب تنسيق الحكومة في الأراضي»، ويقوم المكتب باصدار التقارير والتوصيات، التي تبحث داخلياً، وبناءً عليها تُصاغ السياسات، وهنا تعمل وزارة خارجية الاحتلال على نشر الدعاية في مختلف انحاء العالم، ولا سيما بين الحكومات، خاصة الممولة، كالعمل السياسي امام الاتحاد الاوروبي بهدف الضغط على السلطة الفلسطينية (2)، وبين المنظمات الدولية، كالامم المتحدة، حيث تدعي ان السلطة الفلسطينية تستخدم أموال المجتمع الدولي للتحريض (3). ولا بد من الاشارة هنا الى أن الاحتلال يعمل في مسارين مركزيين، الاول دعوى التحريض، فكل ما يتعارض مع الخضوع لسياساته وتجمليها يوضع تحت خانه «التحريض» والاساءة لعملية «السلام». أما المسار الثاني، فيتعلق بالاسلام والهوية الاسلامية، سواء بوجود الآيات القرآنية أو الرموز الاسلامية في الكتب الدراسية، حيث يحاربها الاحتلال تحت شعار «خطر أسلمة المناهج ومعاداة السلام» (4).

أما الأدوات التي تخدم سياسات الاحتلال، فقد تم الإعداد لها منذ سنين طويلة، وسنذكر منها نصوص اتفاقيات الاحتلال مع السلطة الفلسطينية، والتي يؤولها الاحتلال ويستخدمها كوسيلة تلزم السلطة باصدار مناهج تعليمية تنسجم مع روح «السلام» المزعوم.

فقد جاء في اتفاق طابا (اوسلو ۲) ١٩٩٥، الفصل الرابع، تحت عنوان التعاون، المادة الثانية والعشرون: أولاً، «تسعى إسرائيل والمجلس (اي السلطة) لترقية التفاهم المتبادل والتسامح، وتمتنعان، لذلك من التحريض، ومن جملته الدعاوة العدائية، على الطرف الآخر، ويلتزمان، من دون المساس بمبدأ حرية التعبير، اتخاذ الإجراءات القانونية للحؤول دون هذا التحريض من قبل أية منظمات أو جماعات أو أفراد داخل ولاية كل منهما». ثانياً، «تعمل إسرائيل والمجلس على التأكيد من أن نظاميهما التربويين يساهمان في السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني والسلام في المنطقة كلها، ويمتنعان من إدخال أية موضوعات من شأنها أن تسيء إلى عملية المصالحة» (5).

  1. التعاون بين الإحتلال والأطراف المختلفة

بناء على هذا البند تقرر عام ١٩٩٨ في اتفاق «واي ريفر»، البند الثالث (د)، تقديم لجنة متابعة التحريض، «تجتمع لجنة امريكية-اسرائيلية- فلسطينية، بشكل عام منتظم لمتابعة حالات التحريض المحتمل على العنف أو الارهاب ولكي تقدم تسهيلات حول سبل منع هذا التحريض » (6).

وتحت ستار هذه البنود الملغمة تعمل سلطات الاحتلال، وربما بصورة ما لم تجرؤ عليها من قبل، على افساد الاجيال الناشئة وتشويه هويتها. لا سيما ان هذه الاتفاقيات اتاحت وعززت انتشار منظمات ومؤسسات التعاون، فبات الاحتلال وأعوانه يعملون من وراء «أقنعة التجميل»، فتعددت مؤسسات «التعاون» و«السلام» وغيرها، التي ضمت «إسرائيليين» وفلسطينيين، والتي تدرس المواد الدراسية في القدس وأثرها على هوية المقدسيين، وتصدر التقارير والتوصيات، بعضها يوضع على طاولة الكونغرس وبعضها الآخر على طاولة الاتحاد الاوروبي، وتُجمع في النهاية على طاولة «الكنيست».

والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، فها هي الولايات المتحدة، صديقة الاحتلال الحميمة، تمول «المركز الإسرائيلي-الفلسطيني للبحوث والمعلومات» (IPCRI) لدراسة كتب التعليم الفلسطينية، وتستخدم نتائجه وتوصياته في تقرير وزارة خارجيتها «حرية الاديان الدولية» (7)، وبناء على هذه الابحاث والتوصيات تعيد دراسة وصياغة سياستها في المنطقة. وها هي تمول «مجلس المؤسسات الدينية في الأراضي المقدسة» (Council of Religious Institutions of the Holy Land) (8 )، المتعاون مع «مركز السلام والتسامح الثقافي في التربية المدرسية» (IMPACT-SE) برئاسة أكاديميين يهود وفلسطينيين، لدراسة المناهج واثرها على الطلاب.

وها هي اللجنة اليهودية الامريكية (American Jewish Committee) تتعاون مع « مركز رصد تأثير السلام» (CMIP)، وتصدر تقريراً باسم «الكتب المدرسية الفلسطينية : من عرفات إلى عباس وحماس» (9). وتستنتج دراستها لكتاب التاريخ المعد للصف الحادي عشر أن «هناك تقدم ايجابي لخدمة السلام »، فالكتاب «يذكر القدس كعاصمة الدولة اليهودية تاريخياً، ويذكر مدن يهودية معاصرة داخل دولة اسرائيل.. وفيه تراجع عن المقاومة المسلحة ودعوة الى التسامح مع اليهود» (10).

ونحن في غنى عن القول، أن مراجعة الكتاب أثبتت خطورة أثر ما جاء فيه على هوية الطالب الفلسطيني. اذ أن تزييف الحقائق والتاريخ، سواء بالكذب أو بالحذف والتزوير، تخدم الرواية الصهيونية المدعية زوراً وبهتاناً أن لليهود «حق تاريخي وديني» في فلسطين.

 

المراجع:

1) سهيلة أبو غوش، ادارة المعارف العربية، مكتوب من تاريخ ۲٦ / ١/ ۲۰١۰. في يوفال فيرجن، مضامين الكتب المدرسية الفلسطينية: قضية اليهود وإسرائيل والسلام، ورقة مقدمة للجنة الثقافة والتعليم والرياضة، الكنيست، ٣۰/ ٦/ ۲۰١۰. ص، ٣٤.

2) أفيف شير-أون (אביב שיר-און)، نائب رئيس الاتصالات، وزارة الخارجية، مكتوب من تاريخ ١٤/٤/۲۰۰٨. في يوفال فيرجن، ص، ٣۰.

3) موقع وزارة الخارجية، http://www.mfa.gov.il/MFAHeb/Spokesman/2010/Deputy_Fm_Ayalon_-%20Funding_Hate_010210. في يوفال فيرجن، ص، ٣٤.

4) كوبي جرتسولف (קובי גרצוולף )، المنسق المساعد للأنشطة الحكومية في الأراضي، وزارة الدفاع، رسائل من ناريخ، ۲٣ / ٣/ ۲۰۰٨، و ١٧ / ٨/ ۲۰۰٨. سلمت الرسائل، روت بار، مساعدة وزير الجيش. في يوفال فيرجن، ص، ۲٨.

5) موقع الكنيست http://www.knesset.gov.il/process/asp/event_frame.asp?id=42.

6) مركز المعلومات الوطني الفلسطيني. http://arabic.cnn.com/Middle_east/interactive/key.documents/y.pdf.

U.S. Department of State, International Religious Freedom Report 2009, Israel and the occupied territories, October 2009 , (7 http://www.state.gov/g/drl/rls/irf/2009/127349.htm

. وتقرير وزارة الخارجية الامريكية. في يوفال فيرجن، ص، ٣٧.

8) أنظر موقع -Council of Religious Institutions of the Holy Land , http://www.crihl.org/he/content/israeli-palestinian-schoolbook-project.

Dr. Arnon Groiss, Palestinian Textbooks: From Arafat to Abbas and Hamas, The Center for Monitoring the Impact of Peace and The (9 American Jewish Committee, March 2008.

10) أنظر يوفال فيرجن، مضامين الكتب المدرسية الفلسطينية.. ص، ۲٦.

نيفين خالد الزواوي مركز الدراسات المعاصرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.