Take a fresh look at your lifestyle.

التحكم بالتصعيد في غزة : الدروسٌ المستفادة من “عملية الجرف الصامد”

0 48

الرائد نداف بن حور * ، معهد واشنطن ٢٦ و ٢٧-٧-٢٠١٨ 

 

شهد التوتر بين حركة «حماس» وإسرائيل تصعيداً كبيراً خلال الأسابيع الأخيرة، مترافقاً مع تدهور سريع في الوضع الأمني في غزة. وقد بلغت مستويات التوتر حالياً أوجها منذ اختتام “عملية الجرف الصامد” في صيف عام 2014، بعد أن عرفت المنطقة أربع سنوات من الهدوء النسبي. وحتى الآن، بدا أن الذكريات المريرة التي خلّفتها تلك العملية ردعت «حماس» عن بدء صراع رئيسي آخر مع إسرائيل، تماماً كما أدّت ذكريات حرب عام 2006 في لبنان إلى ردع «حزب الله». لكن طبيعة المواجهات الأخيرة ونطاقها أثارت مخاوف من تسبب ديناميات التصعيد بحرب جديدة في غزة، تكون الرابعة خلال العقد المنصرم وحده.

الطريق نحو “عملية الجرف الصامد”

كانت حرب عام 2014 أكثر خطورةً من المواجهات التي سبقتها بين “جيش الدفاع الإسرائيلي” [“الجيش الإسرائيلي”] و«حماس». ومع ذلك، لم يخطط لها أيّ من الطرفين أو يطلق شرارتها، بل جاءت نتيجة دينامية فعل ورد فعل عسكري أدت إلى خروج الأمور عن السيطرة.

وساهمت عدة عوامل في تعاظم ذلك الردّ، منها اختطاف شبان إسرائيليين وقتلهم، وإطلاق الصواريخ من قبل نشطاء مارقين من غزة، وخوف كل طرف من شنّ الطرف الآخر حرباً أوسع نطاقاً. وفي حين ساهمت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة بتغذية تلك التوترات، إلّا أنها لم تكن السبب وراء التصعيد. وتحمل الدينامية الحالية بعض أوجه التشابه مع تلك التي كانت قائمة عام 2014، على الرغم من وجود العديد من الاختلافات المهمة بينهما، بما فيها واقع أن كلا الطرفين قد أخذ في الحسبان الدروس التي استخلصها من جولة الصراع الماضية وأدخلها في حساباته وأفعاله.

وتعود جذور النزاع السابق إلى “عملية عمود الدفاع” التي نفّذت في تشرين الثاني/نوفمبر 2012. وانتهت تلك الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة بعد ثمانية أيام من انطلاقها حين ساعد الرئيس المصري السابق محمد مرسي حركة «حماس» على إبرام اتفاقية فُتحت بموجبها المعابر الحدودية مع إسرائيل بشكل جزئي وتوسّعت المنطقة التي يسمح فيها لأهالي غزة بصيد الأسماك.

وبعد تلك العملية، واصلت الحركة تخزين أسلحتها والاستعداد لمواجهة مستقبلية من خلال إنتاج الصواريخ وحفر الأنفاق الهجومية لتسلل قواتها إلى داخل إسرائيل. وفي غضون ذلك، امتنعت «حماس» عن إطلاق الصواريخ وقيدت التنظيمات الإرهابية الأخرى من اتخاذ خطوات مماثلة.

لكن الوضع تغيّر في تموز/يوليو 2013 عندما أطاح الفريق أول عبد الفتاح السيسي بالرئيس مرسي، وتبنّى موقفاً عدائياً تجاه الحركة. وقد ساهم موقف حكومة السيسي، إلى جانب عوامل أخرى، في خلق أزمة سياسية واقتصادية حادة لـ «حماس» لم تتخطاها الحركة بعد.

بعد ذلك، حاولت الحركة الاستمرار بسياسة الهدوء التي انتهجتها، معتقدةً أن أي مواجهة جديدة ستزيد وضعها سوءاً. حتى أن زعماء التنظيم كانوا يخشون أن تبادر إسرائيل إلى شنّ حربٍ لاستغلال ضعف الحركة. ومن جانبهم، خشي العديد من الإسرائيليين من أن «حماس» قد تثير صراعاً للحصول على تنازلات من شأنها تحسين وضعها الاقتصادي. وعلى أي حال، لم تحقق محاولة «حماس» إلا نجاحاً جزئياً. إذ قامت العناصر المارقة بإطلاق الصواريخ على إسرائيل من وقتٍ إلى آخر، وترأست “حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين” حملة تصعيدٍ وجيزة في آذار/مارس 2014.

غير أن السبب الأقرب لـ “عملية الجرف الصامد” كان اختطاف ثلاثة مراهقين إسرائيليين وقتلهم في الضفة الغربية في 12 حزيران/يونيو من ذلك العام على يد خلية محلية تابعة لـ «حماس» كانت تعمل على ما يبدو بمبادرتها الخاصة. فردّت إسرائيل بإطلاق عملية بحث واسعة النطاق، قضت من خلالها على خلايا ومؤسسات تابعة لـ «حماس» في الضفة الغربية، واعتقلت عناصر من الحركة كانت قد أفرجت عنهم في صفقة تبادل الأسرى مع [الأسير الإسرائيلي لدى «حماس»] جلعاد شاليط عام 2011.

وقد أثارت تلك الأحداث العناصر المارقة في غزة وقامت بإطلاق الصواريخ تضامناً مع الضفة الغربية، فجاء الرد الإسرائيلي بضرب مصادر الصواريخ وعدة مواقع تابعة لـ «حماس» في غزة. وحتى مع ذلك، حافظت الحركة على سياسة الهدوء وحاولت ضبط المقاتلين الآخرين على الرغم من ازدياد استيائها من ضربات “الجيش الإسرائيلي” وخوفها من هجومٍ أكبر.

وفي 29 حزيران/يونيو، وللمرة الأولى منذ “عملية عمود الدفاع”، قتل “الجيش الإسرائيلي” أحد عناصر «حماس» كان يُشتبه أنه يستعد لإطلاق الصواريخ. فردّت الحركة على مقتله بإطلاق اثنا عشر صاروخاً قصير المدى، وهي المرة الأولى التي يُقْدِم فيها التنظيم على ذلك منذ عام 2012. ومن ثم كثّف “الجيش الإسرائيلي” هجماته لردع مواصلة إطلاق النار بينما قامت «حماس» بإطلاق العشرات من الصواريخ الإضافية لردع إسرائيل.

وفي غضون ذلك، اكتشف “الجيش الإسرائيلي” وجود مخططات لشن هجمات عن طريق نفق محتمل تحفره «حماس» ويمتد من جنوب غزة إلى إسرائيل. فاتخذت وحدات “الجيش الإسرائيلي” إجراءات لضرب النفق بين 5 و6 تموز/يوليو. وفي اليوم التالي لقي ستة من عناصر «حماس» مصرعهم حين انهار النفق عليهم. فسارعت الحركة إلى الانتقام بإطلاق نحو 40 صاروخاً ذات مدى أطول يصل إلى 40 كيلومتراً، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى ضرب عشرات الأهداف التابعة لـ «حماس» والإعلان عن بدء “عملية الجرف الصامد”. وفي اليوم التالي أطلقت «حماس» صواريخ على تل أبيب.

وبعد عدة أيام من القتال، طرحت الحركة شروطها لوقف إطلاق النار، التي ركزت على “رفع الحصار” من خلال اتخاذ عدة تدابير كبناء ميناء بحري ومطار لغزة. ومع ذلك، استمر الصراع، وبعد خمسين يوماً من الأعمال العدائية – التي شملت حملة برية لتدمير الأنفاق الهجومية – وافقت «حماس» على اتفاقٍ لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية دون أن تحقق أيّاً من مطالبها، بل اكتفت بالموافقة على تجديد الشروط التي أنهت العملية السابقة.

الدروس والإيحاءات

من ناحية المواجهات غير المتماثلة، تعتبر “عملية الجرف الصامد” انتصاراً واضحاً نسبياً لـ “الجيش الإسرائيلي”، كونها انتهت وفق شروط مواتية لإسرائيل وعززت آليات الردع لديها. لكن هذا النصر جاء على حساب مقتل أكثر من سبعين إسرائيلياً واستمرار القتال سبعة أسابيع تخللتها ضربات يومية في داخل إسرائيل. ولذلك يجدر بالمسؤولين استخلاص الدروس من المرحلة التي أوصلت إلى “عملية الجرف الصامد”، كونها تلقي الضوء على كيفية التحكم بالتصعيد وتفادي حرب غير مرغوب فيها.

النوايا مقابل الديناميات: أثبتت المواجهة عام 2014 أن نوايا الخصم قد تكون في بعض الظروف أقل أهميةً من الديناميات التي ترسم مجرى الصراع. أي أن «حماس» وإسرائيل قد لا تريدان حدوث مواجهة، ولكنهما قد تدخلان متعثرتين في مجابهة على أي حال بفعل زخم الأحداث التي تجري على الأرض. ومن هذا المنطلق، يجب على المحللين اعتماد منهجية التحليل بـ “الأثر الرجعي”: أي افتراض أسوأ النتائج التي قد تحصل ومن ثم تصوّر المسارات المحتملة التي تقود إلى تلك النتائج من أجل إيجاد الطرق الكفيلة بتفاديها.

التطورات التكيتيكة ذات الأثر الاستراتيجي: لا بد للمحللين وصناع القرار أن يتذكروا أن العمليات التصعيدية قد تجري بسرعة كبيرة، مما يحدّ من قدرة كل طرف على التأثير فيها. فالطريق المؤدي إلى “عملية الجرف الصامد” رُسمت بشكل متكرر بسبب حوادث محلية منعزلة على ما يبدو كان لها وقعاً هائلاً على الوضع الاستراتيجي، وبالتالي لم تمنح المخططين وقتاً كافياً للنظر فيما إذا كان ينبغي فك التصعيد أم لا، وكيفية فكّه.

دور المفسدين: صحيحٌ أن «حماس» لا تزال تسيطر على غزة، لكن قبضتها ليست كاملة. فالمنطقة معروفة بالتنافس بين مختلف التنظيمات المسلحة ذات المصالح المتضاربة في كثير من الأحيان. ونتيجة لذلك، غالباً ما تحاول أن تتفوق إحداها على الأخرى أو أن تضعف بعضها البعض، مما يؤدي إلى أعمالٍ قد تدفع بعجلة التصعيد مع إسرائيل.

النظر فيما يتخطى الاقتصاد: يرى الكثيرون أن الوضع الاقتصادي في غزة هو السبب الرئيسي للتصعيد. ومع ذلك، لم يكن هذا هو الحال قبل “عملية الجرف الصامد”. ففي عام 2014، لم تكن «حماس» تعتبر أن مواجهة أخرى ستحسن من وضع غزة، وقد اندلع الصراع آنذاك بسبب دينامية فعل ورد فعل بين القوات المسلحة العائدة للطرفين. وبالطبع، أدّت المشاكل الاقتصادية إلى تفاقم التوترات المحلية، ولكن تأثيرها لم يصبح ملموساً إلا بعد بدء العملية، عندما قدّمت «حماس» شروطها لوقف إطلاق النار مركّزةً على “رفع الحصار”. أضف إلى ذلك أن المواجهات السابقة وقعت حتى حينما كان الوضع الاقتصادي في غزة أفضل بكثير.

واليوم تشكلّ المحنة الاقتصادية والإنسانية في غزة دافعاً مهماً للتصعيد، لاسيما وأنها أطلقت شرارة “مسيرات العودة الكبرى” – وهي محاولة من «حماس» للفت الأنظار إلى الظروف المروّعة في القطاع وإظهار تكاليف الحفاظ على الوضع الراهن عبر حث المتظاهرين على عبور الحدود. ومع ذلك، ستبقى الاعتبارات الأمنية والإجراءات العسكرية المحركات الرئيسية لأي حرب مستقبلية، ولا يوجد ضمان بأن تخفيف الوضع الاقتصادي سيؤدي إلى تحجيم دور تلك المحركات وإرساء الهدوء. فعلى الرغم من كل شئ، كانت العديد من المشاكل المتعلقة بالأمن والتي ساهمت في نشوب الصراعات السابقة موجودة قبل تدهور الوضع الإنساني بشكل مستفحل في غزة وما زالت قائمة حتى اليوم، وهي تشمل: الاحتكاك العسكري المتواصل على طول الحدود (على سبيل المثال، الإرهابيين الذين يستهدفون قوات الحدود الإسرائيلية بالأجهزة المتفجرة المرتجلة، مما يدفع “الجيش الإسرائيلي” إلى القيام بعمليات توغل عبر الحدود على مسافات غير عميقة واتخاذ إجراءات وقائية أخرى)، والتوترات بين التنظيمات القتالية الأصغر في غزة، ومواظبة «حماس» على بناء قوتها (بما في ذلك حفر الأنفاق)، واحتفاظ «حماس» برهينتين إسرائيليتين وبرفات جنديين إسرائيليين.

ومع ذلك، فإن اتخاذ خطوات للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية والاقتصادية يشكل هدفاً مهماً للغاية يستحق الجهد، ليس لأسباب معنوية فحسب، بل أيضاً لأنه قد يساعد على التخفيف من حدة التوتر، وإبطال محفزات التصعيد، وتفادي انتشار الأمراض والتلوث من غزة.

التصعيد من أجل تهدئة الوضع: في عام 2014، سعت كل من «حماس» وإسرائيل إلى وقف التصعيد من خلال اتخاذ خطوات تصعيدية، مثل زيادة الضربات الجوية والصاروخية، على افتراض أن كل منهما كانت تأمل ردع الطرف الآخر بإجراءاتها الصارمة. ولكن عوضاً عن ذلك ساهمت هذه المقاربة في اندلاع “عملية الجرف الصامد”. وبينما جلب ذلك الصراع أربع سنوات من الهدوء النسبي، يجدر النظر فيما إذا كان هناك نهج مماثل قد يثير صراعاً أكثر خطورة هذه المرة – وما إذا كانت سنوات إضافية من الهدوء هي النتيجة الأكثر احتمالاً لأي حرب كبيرة في ظل الظروف الراهنة.

انعدام الثقة بين الطرفين: في عام 2014، افترض كل جانب الأسوأ حول الآخر، فتم تفسير رسائل الترضية العلنية على أنها محاولات خداع، وأصبحت الرسائل المبعوثة عبر القنوات غير المباشرة تجابَه بالشك والريبة. وقد ساهمت تلك الشكوك المتبادلة في تمهيد الطريق أمام “عملية الجرف الصامد” وجعلت من الصعب الخروج من دوامة التصعيد.

كما وجد كلا الطرفين صعوبةً في التمييز بين الإجراءات الدفاعية والإجراءات الهجومية. على سبيل المثال، كان قرار إسرائيل باستهداف أحد الأنفاق قبل أن تتمكن «حماس» من استخدامه لعبور الحدود عبارةً عن مهمة مستقلة تم التخطيط لها بمعزل عن “عملية الجرف الصامد”، ولكن «حماس» اعتبرتها في الظاهر بداية حملة واسعة ضد قواتها. وعلى النحو نفسه، رأت الحركة على ما يبدو في الانتشار الدفاعي لوحدات “الجيش الإسرائيلي” قرب غزة إشارةً على [وجود] نية هجومية.

وبشكل عام، حين يسود الشك في نوايا الخصم وترتفع تكاليف سوء تفسير هذه النوايا، يميل كل جانب إلى تبني نظرة أكثر تشككًا في كل خطوة. ودائماً تقريباً ما يتسبب هذا الإجراء بإشعال التوترات وزيادة احتمال سوء التقدير.

بعث الرسائل والردع: سلّطت “عملية الجرف الصامد” الضوء على التوتر بين “الوضوح الاستراتيجي” (أي التعبير الواضح عن النوايا) والردع. فمن جهة، لا يريد أي من الطرفين أن يساء فهم نواياه، لأن ذلك قد يؤدي إلى تصعيد الصراع عن غير قصد. ومن جهة أخرى، إذا عبّر أحد الطرفين بصراحة عن رغبته في تجنب الحرب، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف مساعي الردع عبر إقناع الطرف الآخر بأن بوسعه الإقدام على أعمال استفزازية دون خوف من التصعيد. وفي المقابل، قد تُسبب الرسائل القاسية التي تهدف إلى تعزيز الردع إلى تفاقم التوترات وتؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه. إن تحقيق التوازن المناسب بين هذين الدافعين المتناقضين أمر صعب، لكن إسرائيل ستحتاج إلى إيجاد هذا التوازن لتبقي الوضع الراهن تحت السيطرة.

الاستنتاج

إن الدرس الرئيسي الذي يمكن استخلاصه من “عملية الجرف الصامد” هو أنه لا يوجد حل واحد لمنع المواجهة غير المرغوب فيها في غزة عندما تعمل العديد من العوامل على إدامة حالة من التوتر شبه الدائم بين إسرائيل و«حماس». ونأمل أن تؤدي المراقبة المتمعنة لجميع العوامل والديناميات التصعيدية المتواجدة حالياً إلى الحد من احتمال نشوب صراعٍ لا يريده أيٌّ من الطرفين. 

الوضع الحالي تموز – يوليو ٢٠١٨

منذ آذار/مارس المنصرم، ازدادت التوترات على طول الحدود مع غزة بشكل ملحوظ، حيث نظّمت «حماس» مظاهرات أسبوعية عنيفة وحاولت التوغل على طول الحاجز الأمني، وأرسلت الطائرات الورقية والبالونات الحارقة إلى إسرائيل، وردّت على هجوم إسرائيل المضاد بإطلاقها الصواريخ، وكل ذلك في محاولة لإيجاد توازن رادع جديد. وقد تم إطلاق أكثر من 200صاروخ خلال الأسابيع القليلة الماضية وحدها، الأمر الذي أثار مخاوف من أن الجانبين على أعتاب صراع كبير آخر. ورغم أن الكثير من التعليقات قد ركّزت بحق على كيفية مساهمة الحالة الاقتصادية والإنسانية لغزة في هذه الديناميكية التصاعدية، إلّا أن الاعتبارات الأمنية والإجراءات العسكرية ستكون هي المحرك الرئيسي لأي مواجهة جديدة. يمكن أن تُعزى الديناميكية التصاعدية الحالية إلى أربعة تطورات رئيسية:

  1. تصاعد العنف على الحدود. بدءاً من 30 أذار/مارس، أطلقت «حماس» احتجاجات أسبوعية على الحدود تحت اسم “مسيرة العودة الكبرى” لجذب الانتباه إلى الأوضاع الرهيبة في غزة، وإظهار ثمن استمرار الوضع الراهن، وتحويل الغضب المحلي إزاء الوضع السائد تجاه إسرائيل. ويبدو أن الحركة تعتقد أن هذه الحوادث – التي يتحول الكثير منها إلى أعمال شغب وتشمل محاولات تسلل – مكّنتها من استعادة الأضواء وقد تساعدها على المضي قدماً في تنفيذ أجندتها. كما بدأت «حماس» باستخدام الطائرات الورقية والبالونات الحارقة لكي تسبب الحرائق وتلحق الأضرار بالزراعة وتحدث آثاراً نفسية داخل إسرائيل. وفي حين كانت هذه الأسلحة تكتيكاً مرتجلاً في البداية، غير أنها أصبحت أهم أداة في يد الحركة، الأمر الذي مكّنها من فرض التكاليف وتوجيه رسالة بواسطة وسائل يصعب التصدي لها وتعتبر ظاهرياً “غير عسكرية”.
  2.  الجهود الإسرائيلية لمنع العنف والإرهاب. من خلال قيام قوات “جيش الدفاع الإسرائيلي” بالتصدي لهجمات الإحراق المتعمّد ومحاولات التسلل، فقد استهدفت أحياناً نشطاء «حماس» ومواقعها.
  3.  جهود «حماس» لإنشاء “معادلة” رادعة جديدة. ردت الحركة على الهجمات الأخيرة التي شنها “الجيش الإسرائيلي” من خلال إطلاقها الصواريخ بهدف ردع المزيد من الهجمات. وهذا الأمر جدير بالملاحظة بشكل خاص لأنها المرة الأولى التي تلجأ فيها «حماس» إلى إطلاق الصواريخ منذ “عملية الجرف الصامد” عام 2014، مما دفع الطرفين إلى الاعتقاد بأن التصعيد الأوسع نطاقاً قد يكون وشيكاً.
  4. الأنشطة الإرهابية التي تنفذها «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» والجماعات السلفية. خلال الأشهر القليلة الماضية، قامت جماعات أخرى بين الحين والآخر باتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، مما دفع “الجيش الإسرائيلي” إلى ضرب أهداف «حماس» على أساس المبدأ بأن «حماس» هي المسؤولة عن كل ما يحدث في غزة. وقد ساهم هذا النمط في عملية التصعيد التدريجي. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2017، هدم “الجيش الإسرائيلي” نفقاً تابعاً لـ «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» امتد إلى إسرائيل، مما أدى إلى مقتل العديد من نشطاء الجماعة. ومنذ ذلك الحين، تصرفت «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» بشكل أكثر عدائية، وذلك من خلال مهاجمة قوات “جيش الدفاع الإسرائيلي” على الحدود. وفي كانون الأول/ديسمبر، أطلقت عناصر مارقة الصواريخ على إسرائيل بعد أن أعلن الرئيس ترامب أن السفارة الأمريكية ستُنقل من تل أبيب إلى القدس. وفي أيار/مايو المنصرم، قُتل العديد من أعضاء «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» في اشتباك حدودي، مما حفّز الجماعة على إطلاق عشرات الصواريخ. وبعد ذلك، قامت إسرائيل بعمليات انتقامية وضربت مواقع كل من «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» و«حماس»، ثم قتلت أحد أعضاء «حماس» في اشتباك آخر، مما أدى إلى قيام «حماس» بإطلاق وابل من الصواريخ خاصة بها.

وفي الآونة الأخيرة، أدّت الأحداث التي دارت في 1415 تموز/يوليو وفي 20- 21 تموز/يوليو إلى تقريب الطرفين من حافة المواجهة. وفي كلتا الحالتين، أصيب جنود من “الجيش الإسرائيلي” خلال أعمال الشغب الحدودية التي وقعت أيام الجمعة، كما قتل ضابط برصاص قناص في 20 تموز/يوليو. ورداً على هذه الهجمات وعلى مواصلة استخدام الطائرات الورقية والبالونات الحارقة، أطلق “الجيش الإسرائيلي” أكبر موجة من الهجمات خلال فترة النهار منذ “عملية الجرف الصامد”، حيث أصاب عشرات الأهداف التابعة لـ” «حماس». وفي هذا الإطار، قُتل مراهقان فلسطينيان في أول عطلة نهاية أسبوع، وقُتل العديد من أعضاء «حماس» في ثاني عطلة نهاية أسبوع. ورداً على ذلك، أطلق نشطاء غزة قذائف قصيرة المدى على إسرائيل، حوالي 200 قذيفة في أول عطلة نهاية أسبوع، مما أسفر عن إصابة أربعة إسرائيليين في سديروت.

وفي كلتا الحالتين، أدت جهود الوساطة التي قامت بها كل من مصر و”المنسق الخاص للأمم المتحدة” نيكولاي ملادينوف إلى وقف إطلاق النار. ولكن خلايا «حماس» الإرهابية استمرت في محاولاتها لشن هجمات حارقة، وما زالت إسرائيل تتخذ إجراءات ضدها، موضحة أنها لن تقبل استخدام مثل هذا التكتيك.

التصعيد الديناميكي

إن الافتراض السائد هو أن «حماس» لا تسعى إلى اندلاع صراع أوسع مع إسرائيل – حيث أن الذكريات المريرة للثمن الذي دفعته في “عملية الجرف الصامد” لا تزال تردع الحركة. غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن «حماس» أصبحت أكثر قبولاً للمخاطرة بسبب عدد من العوامل وهي: هدفها المتمثل في الحصول على تنازلات من إسرائيل لتخفيف “الحصار” المفروض على غزة، والإحباط الذي تشعر به من ضربات “الجيش الإسرائيلي”، ورغبتها في إظهار نفسها كمدافع عن غزة، لا سيّما نظراً إلى الخسائر التي تكبدها متظاهرو “مسيرة العودة الكبرى”.

وقد تعكس تحركات «حماس» أيضاً افتراضها بأن إسرائيل تريد تجنب صراع آخر أيضاً. ويبدو أن الحركة تعتقد أن إسرائيل منهمكة جداً في مشاكل حدودها الشمالية ولن تعمل على تصعيد الأوضاع في غزة، مما يمنح الجماعة مجالاً أكبر للمناورة.

ونتيجة لذلك، يبدو أن كلا الطرفين يحاولان تحقيق توازن دقيق بين هدفين باستخدام أدوات محدودة: (1) الردع، والاستجابة، والتأثير على بعضهما البعض، و (2) تجنب التصعيد الكبير. وكان قرار إسرائيل المتمثل في إغلاق معبر “كيريم شالوم” [“كرم أبو سالم”] التجاري في 9 تموز/يوليو مثالاً على هذا التعقيد: فقد أشار إلى وجود رغبة في كبح العنف الذي ترتكبه «حماس» بوسائل غير عسكرية، على الرغم من أن تفاقم الوضع الاقتصادي قد يجعل الوضع الأمني أكثر سوءاً. وعلاوة على ذلك، اكتفت «حماس» بإطلاق قذائف قصيرة المدى فقط في 14 و15 تموز/يوليو، بينما ركّز “الجيش الإسرائيلي” على ضرب البنية التحتية للجماعة، وتجنّب الضربات التي قد تقتل أفراداً من «حماس». وعلى الرغم من ضبط النفس المتبادل، فقد أظهرت تصرفات كل طرف التأثير التصاعدي الهام الذي يمكن أن تحدثه التطورات التكتيكية على المنظور الاستراتيجي الأوسع.

باختصار، لا يرغب أي من الطرفين في التصعيد، ولا يبدو أن أيّاً منهما يؤمن بأن الصراع الأوسع سيخدم مصالحه، لكن كلاهما يريد تغيير الوضع الحالي: فـ «حماس» تريد إنهاء “الحصار” ووقف هجمات “الجيش الإسرائيلي”، بينما تريد إسرائيل إنهاء جميع الهجمات والتوغلات التي تحصل على طول الحدود. وقد أدى هذا الهدف إلى اتخاذ إجراءات يمكن أن تؤدي إلى النتائج ذاتها التي يحاولان تجنبها. وبالفعل، يبدو أن كلا الجانبين يدركان الآن أن المواجهة قد تحدث في وقت قريب ويستعدان لها – وربما قد لا “يبذلا قصارى جهدهما” لمنع الحرب نظراً لرغبتهما في تغيير الوضع الراهن والرد على أفعال بعضهما البعض.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن استراتيجية إسرائيل تقوم على [فكرة] إقناع «حماس» بضرورة كبح جماح العنف، مع التوضيح أن “جيش الدفاع الإسرائيلي” لا يخشى من مواجهة أخرى إذا اقتضى الأمر، وأنه مستعد بالفعل لهذا الاحتمال (على سبيل المثال، انظر إلى نشر نظم الصواريخ الدفاعية المعروفة بـ “القبة الحديدية” في وسط إسرائيل والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة والتمارين العسكرية الأخيرة لـ “الجيش الإسرائيلي”). كما أن استعداد الحركة لقبول وقف إطلاق نار مؤقت خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، دون إطلاق عشرات القذائف قبل موافقتها، قد يعكس فهمها لاستعداد إسرائيل للدخول في صراع أوسع نطاقاً.

التوقعات على المدى القريب

تُظهر الأحداث الأخيرة التحدي المتمثل في التحكم بالتصعيد في غزة بالنظر إلى الظروف المعقدة للقطاع، والضغوط الداخلية التي تُمارس على «حماس» وإسرائيل، وعدم وجود “حلول سحرية” للنزاعات الأساسية. وكما اتضح خلال “عملية الجرف الصامد”، ليس من الصعب منع وقوع مواجهة في غزة فحسب، بل من الصعب أيضاً إنهاء مثل هذا النزاع حال الشروع فيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ستؤدي الحالة الراهنة إلى تصعيد أوسع؟ لا يمكن لأحد أن يعرف حقاً بشكل مؤكّد، لكن الأمر سيعتمد على مجموعة من العوامل وهي: الإجراءات العسكرية التي يتخذها الطرفان؛ وكيفية تقييم كل طرف لنوايا الطرف الآخر؛ وأين ستدفع الضغوط الداخلية صناع القرار في إسرائيل و«حماس»؛ ونطاق المحاولات الخارجية لتحسين الوضع الاقتصادي في غزة ومدى فعاليتها؛ وقبل كل شيء، الديناميكيات على الأرض.

ومن ناحية، يبدو الطرفان مصممَين على تعزيز مصالحهما، وإذا استمرّت هذه الحالة، فقد يقرر أحد الطرفين البدء بصراع للاستفادة من عنصر المفاجأة. ومن ناحية أخرى، لا يزال لذكريات “عملية الجرف الصامد” وعوامل أخرى أثر تقييدي على كلا الجانبين.

وبالنسبة لـ «حماس»، فإن خلفية القيادي “يحيى السنوار” في الجناح العسكري قد تساعد الحركة على الحفاظ على التماسك الداخلي ومنع التنافسات السياسية – العسكرية التي ساهمت في التصعيد السابق. بل إنه قد يقود «حماس» إلى اتخاذ قرارات عملية جريئة، على الرغم من أن نهجه المتشدد قد يزيد من التوتر داخل الحركة وتجاه إسرائيل. ومن جانبها، تفضل إسرائيل الاستمرار بالتعامل مع غزة على أنها “ساحة ثانوية” مقارنة بالجبهة الشمالية، لكن صناع القرار سيحددون أولوية قصوى للقطاع إذا تطلبت الأحداث ذلك.

أمّا بالنسبة إلى الأطراف الفاعلة الأخرى، فإن تصرفات العناصر الخارجية الفاعلة وخاصة مصر وقطر والأمم المتحدةيمكن أن تؤثر على الوضع إلى حد معين. على سبيل المثال، يمكن لجهودها الرامية إلى إطلاق مشاريع اقتصادية وإنسانية أن تسهّل مسعى أوسع نطاقاً لتهدئة الوضع، بما أن «حماس» قد لا ترغب في الظهور كما لو أنها تمنع المبادرات التي تشتد الحاجة إليها فيما يتعلق بالكهرباء والمياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وغيرها من الأمور.

ومع ذلك، فإن مثل هذه المشاريع ليست بأي حال من الأحوال وسيلة مؤكدة لمنع المواجهة المقبلة. وكما نوقش في الجزء الأول، فإن أحد الاستنتاجات الرئيسية لهذا التحليل لا يكمن في ضرورة معالجة المشاكل الاقتصادية فحسب، بل في العوامل الأخرى أيضاً التي كانت تدفع إلى التصعيد والنزاعات الكبرى في غزة لمدة عشرة أعوام حتى الآن، ومن بينها الاحتكاك العسكري المستمر على الحدود، وعجز «حماس» الواضح على ضمان احتكار استخدام القوة في غزة ومنها، وانعدام الثقة بشكل عميق والخلافات الإيديولوجية الأساسية بين الجانبين، ومشاكل التواصل المستمرة، والميل إلى الخطأ في التقدير.

وبشكل واقعي، من المشكوك فيه أن تتمتع غزة بالهدوء التام في ظل الظروف الراهنة. ومع ذلك، يجب على أولئك الذين يريدون منع التصعيد أن لا يركزوا فقط على المشاكل التكتيكية والقضايا الاستراتيجية الأكثر استعصاءً (مثل المصالحة الفلسطينية الداخلية؛ وقف دائم لإطلاق النار مع إسرائيل، أو الهدنة ؛ تحول جذري في الظروف الاقتصادية لغزة؛ الخ)، بل أيضاً على “الطبقة الوسطى” المذكورة أعلاه. وطالما تسيطر «حماس» على غزة، فهذا يعني أنه يجب الحد من عدم الثقة بين الجانبين، وإنشاء قنوات اتصال وتواصل موثوقة وفورية، والحد من الاحتكاك العسكري، وخفض التوترات بين الجماعات المسلحة في غزة، والأهم من ذلك، صياغة واقع اقتصادي وأمني يمكن للطرفين التعايش معه – حتى لو كان ذلك يعني وضع أهدافهما الاستراتيجية والسياسية النهائية جانباً في الوقت الحالي. وعلى غرار القضايا التكتيكية والاستراتيجية القائمة على الجانبين المتقابلين، فإن هذه المشاكل “الوسطية” ليست سهلة الحل، ولكن أي جهد جاد للتحكم بالتصعيد يجب أن يعالجها.

* الرائد نداف بين حور، “جيش الدفاع الإسرائيلي”، هو زميل عسكري زائر في معهد واشنطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.