Take a fresh look at your lifestyle.

الانسحاب الأمريكي من سوريا ومستقبل العلاقات الروسية التركية

0 61

المركز العربى للبحوث والدراسات – مصطفى صلاح – 12/1/2019

شكلت التصريحات الأمريكية المتعلقة بانسحاب قواتها من الأراضي السورية في 19 ديسمبر 2018، العديد من التداعيات على مستوى الداخل والخارج والأمريكي، ومن بين تلك التداعيات ما يتعلق بنمط العلاقات بين موسكو وأنقرة في سوريا وخارجها أيضًا.

الانسحاب الأمريكي الفائز والخاسر

هناك العديد من التداعيات المترتبة على إعلان البيت الأبيض انسحاب قواته من سوريا بعد تنفيذ عملياتها المتعلقة بالقضاء على التنظيمات المتطرفة هناك، ولا يمكن الحديث عن أبعاد هذا القرار دون فصل أهمية ذلك القرار عن أهداف الولايات المتحدة وفق استراتيجيتها المعلنة وكذلك على مستوى الحلفاء لواشنطن وأعدائها.

وتتمثل الأهداف الأمريكية من الوجود في سوريا على النحو التالي:

1) منع تكوين حزام إيراني يمتد من طهران إلى العراق وسوريا ولبنان(الهلال الخصيب)، ووصول الأسلحة إلى حزب الله اللبناني، وحماية أمن إسرائيل.

2) العمل على خلق حالة من التوازن السياسي والعسكري مع العديد من الدول المنخرطة في الصراع في سوريا وخاصة الجانب الروسي.

3) تعزيز التحالفات الإقليمية والدولية لمواجهة الجماعات المتطرفة وكذلك تقديم الدعم المتواصل إلى الجماعات المحلية مثل القوات الكردية في مواجهات الجماعات الإرهابية المسلحة.

وعلى خلفية هذا الانسحاب ظهرت العديد من التقديرات حول ذلك الموضوع وإن كانت تبدو ذات توجه سلبي في تفسير قرار الولايات المتحدة، ولعل أبرز تلك التقديرات تتمثل على النحو التالي:

1) تراجع الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة في حال عدم تواجد واشنطن عسكريًا داخل الأراضي السورية، إلا أن البعض يرى أن واشنطن وإن كان قرارها بسحب قواتها العسكرية سوف يتم تنفيذه خلال فترة 4 أشهر كما صرح بذلك البنتاجون، إلا أن ذلك لا يعني غياب واشنطن عن الأزمة السورية سياسيًا، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية المتتالية حول محاصرة إيران ودعم أمن تل أبيب.

2) أزمة الثقة التي تتعرض لها الولايات المتحدة على مستوى المؤسسات الداخلية وكذلك على مستوى الحلفاء؛ وذلك على خلفية اتخاذ دونالد ترامب قراره بالانسحاب منفردًا دون مشاورة وزارة الدفاع(البنتاجون)، أو حلفاءه في التحالف الدولي؛ حيث اتخذ ترامب هذا القرار تنفيذًا لوعوده الانتخابية المتعلقة بعودة القوات الأمريكية من سوريا.

وهذا ما ظهر جليًا بعد قرار وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الاستقالة من منصبه، مبررًا ذلك بأن هناك خلافات بين التوجهات الوطنية لوزارة الدفاع والبيت الأبيض، ويضاف لذلك ما قاله وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلريسون، بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكرر نفس الخطأ الذي تم تنفيذه في العراق في عام 2011، بشأن تزايد النفوذ الإيراني في العراق.

3) قد يكون الانسحاب الأمريكي من سوريا بمثابة انتصار سياسي وعسكري للنظام السوري وحلفاءه الروس والإيرانيين، وبالتالي فإن ذلك سيؤدي إلى تزايد النفوذ الروسي والإيراني في مواجهة الدور الأمريكي.

4) على الرغم من التضمينات الأمريكية لتل أبيب فيما يتعلق باستمرار الدعم الأمريكي الموجهة لها، والذي أعلن عنه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في لقاءه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتانياهو، حيث اتفق الطرفان على استمرار تنسيق الجهود المعلوماتية والاستخباراتية،إلا أن هذا القرار لن يغير من الدعم الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب.

5) إن غياب الولايات المتحدة عسكريًا عن التواجد في سوريا سوف يخلق حالة من التقارب بين العديد من الدول داخل سوريا وخاصة العلاقات بين روسيا وتركيا، وقبل تحليل تداعيات الانسحاب الأمريكي على مستقبل العلاقات الروسية التركية، لابد من التطرق إلى طبيعة العلاقات الثنائية بينهما بشكل عام وهل العلاقات بينهما علاقات توافقية تكتيكية أم استراتيجية؟، وفيما يلي أبرز ملامح التوافق والخلاف ومحطات التقارب والتباعد بين الدولتين:

محددات التوافق

1) تسوية الأزمة السورية سياسيًا وعسكريًا والتحول تجاه عودة اللاجئين والمشاركة في جهود إعادة الإعمار، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

2) أمتدادًا للمحدد الأول، التعاون التركي والروسي مع إيران في تسوية الأزمة السورية، من خلال المؤتمرات المنعقدة بين الدول الثلاث في أستانا.

3) الحاجة المتبادلة بين الجانبين فيما يتعلق بعمليات الاسناد العسكري سواء من جانب روسيا أو تركيا؛ حيث تحتاج تركيا إلى روسيا في موازنة القوى بينها وبين الجانب الإيراني، وتحتاج روسيا تركيا لمواجهة الأكراد وبعض الجماعات المسلحة التي لا تدعمها تركيا.

4) التقارب التركي مع إسرائيل فيما يتعلق بعودة التطبيع الاقتصادي معها، يضاف لذلك التقارب الروسي الإسرائيلي المتعلق بإبعاد الميليشيات الإيرانية الموجودة بالقرب من الحدود مع إسرائيل؛ حيث يمكن أن تستخدم موسكو تل أبيب كورقة للضغط على الغرب أو مساعدتها في العديد من القضايا الخلافية مع الاتحاد الأوروبي.

5) تريد تركيا وروسيا الوصول إلى تفاهمات ثنائية بالبعد عن التعقيدات الإقليمية.

6) هناك العديد من الملفات الحيوية التي تحقق التقارب الروسي التركي منها (حجم التبادل العسكري وخاصة صفقة الصواريخ الروسية اس 400، المفاعل النووي التركي الذي تنشئه موسكو، اتفاقية السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عن طريق تركيا والتي أبرمت في عام 2012 وسيتم الانتهاء من إنشاء هذا الخط نهاية عام 2019.

7) التوافق الروسي التركي حول صياغة الدستور الجديد لسوريا؛ حيث وافقت كلا الجانبين على مسودة الأشخاص المقترحة من جانب النظام السوري وكذلك المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني؛ عوضًا عن المقترحات من جانب الدول الضامنة لتلك المحادثات وهم تركيا وإيران وروسيا.

وعلى الرغم من تلك العوامل الكثيرة التي تشكل جانب أكبر من العلاقات الثنائية بينهم إلا أن هناك العديد من المحطات التي شكلت حجر عثرة أمام تلك العلاقات، وفيما يلي أبرز تلك المحددات:

محددات التباعد

1) الموقف التركي الرافض للتحركات الروسية في شبه جزيرة القرم، وكذلك الانتخابات الروسية التي أجريت هنالك، والتقارب التركي الأوروبي

2) إمكانية الخلاف بين الجانبين فيما يتعلق بمستقبل النظام السوري بقيادة بشار الأسد، على الرغم من التصريحات التركية الأخيرة المتعلقة بإمكانية التعاون مع النظام السوري في المرحلة الانتقالية.

3) الموقف من الجماعات المسلحة في أدلب؛ حيث تعتزم روسيا والنظام السوري ومعهم إيران التخلص من الجماعات المسلحة، وعلى الرغم من وجود العديد من تلك الجماعات إلا أن تركيا تعارض الهجوم على إدلب لوجود الفصائل المسلحة المدعومة من جانبها ولعل اتفاق موسكو وأنقرة فيما يتعلق بالدخول إلى إدلب وإن كان توافقيًا مرحليًا، إلا أنه بديلًا عن المعادلة الصفرية في ذلك الأمر.

4) فيما يتعلق بالعمليات التركية في منطقة شرق الفرات؛ فإن أنقرة تحاول ملء الفراغ الأمريكي حال الغياب الميداني في مواجهة القوات الكردية، في حين تريد موسكو ملء هذا الفراغ بالقوات النظامية السورية وهو ما سينعكس بالضرورة على مستقبل تلك التفاهمات في الداخل السوري وكذلك الخارج السوري.

5) التدخلات التركية العسكرية على الأراضي السورية قد تدفع الأكراد إلى التفاهم مع النظام السوري وحليفته روسيا حول التواجد العسكري في تلك المناطق، ما سيؤدي إلى تفاقم التوترات الروسية التركية.

6) الموقف من عودة اللاجئين إلى سوريا؛ وفي هذا الشأن تحاول تركيا تكوين عمق استراتيجي داخل الأراضي السورية، عن طريق إجلاء اللاجئين السوريين من تركيا إلى المناطق الحدودية مع سوريا والتي يقطنها في معظمها الغالبية الكردية، وتعمل تركيا على تغيير ديمغرافيا المكان في الاتجاه الذي يخدم مصالحها، ويتعارض مع التوجهات السورية وحليفته موسكو.

7) هناك بعض التقديرات التي تذهب إلى أن هناك صفقة سياسية بين واشنطن وأنقرة، خاصة بعد الانفراجة الأخيرة في العلاقات الثنائية بينهما بعد أن شهدت العديد من التوترات عقب احتجاز أنقرة للقس الأمريكي أندرو برونسون في أكتوبر 2018، واستثناء تركيا من العقوبات المفروضة على إيران في نوفمبر من نفس العام، ومؤخرًا وافقت الولايات المتحدة على صفقة الصواريخ الدفاعية الأمريكية باتريوت والتي تقدر قيمتها بــــــــ 3.5 مليار دولار.

ووفق ذلك فإن هناك تصادمات محتملة بين موسكو وأنقرة في سوريا، في حال تقارب الأتراك مع واشنطن، على حساب العلاقات مع روسيا، الجدير بالذكر أن تركيا ليست لديها مشكلة مع التواجد الأمريكي في روسيا، فتركيا ترى في واشنطن أنها ضمانة لتحقيق توازن القوى على الأرض في سوريا، خاصة في مواجهة تمدد النفوذ الروسي والإيراني على حساب النفوذ التركي، ولكن تركيا ترى في الدعم الأمريكي المقدم للأكراد هو محور الخلاف بين الجانبين.

8) على الرغم من أن القرار الأمريكي جاء مفاجًا ولم يكن هناك تفاهمات سواء مع الحلفاء لواشنطن أو على الجانب الآخر روسيا، فمن الممكن أن تشهد تلك الفترة إعادة فتح قنوات جديدة للتفاهم بين واشنطن وموسكو حول ما بعد الانسحاب في ظل إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن انسحاب الولايات المتحدة سيشكل خطوة صحيحة على طريق التسوية السياسية للأزمة، كما أن عادة ما تنظر روسيا والنظام السوري إلى الوجود الأمريكي في سوريا على أنه غير قانوني وغير شرعي، ومن ثم فإن تركيا ستكون في معضلة الاختيار بين أهدافها وما يمكن من وراء ذلك تحقيق التقارب الروسي الأمريكي على حساب العلاقات الروسية التركية.

وبعد استعراض تلك العوامل يمكن القول بأن العلاقات الروسية التركية لن تشهد خط بياني محدد صعودًا أو هبوطًا، بل أنها تشهد فترات شد وجذب بين الجانبين بحكم التطورات الإقليمية والدولية التي تشكل العامل الأكبر في بلورة تلك العلاقات.

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.