Take a fresh look at your lifestyle.

الانتخابات الموريتانية وتحديات التحول الديمقراطي

0 109

غدي حسن قنديل * 2/7/2019

في الأول من يوليو 2019، أعلن المجلس الدستوري في موريتانيا النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية المنظمة التي جرت في 22 يونيو 2019، فوز “محمد ولد الغزواني” رسميًا برئاسة موريتانيا، على أن يتسلم مهامه كرئيس يوم 2 أغسطس 2019، وكان المجلس قد تسلم النتائج المؤقتة يوم 25 يونيو 2019 من اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، والتي أشارت إلى  فوز المرشح “محمد ولد الغزواني” بالأغلبية المطلقة بنسبة 52 %، مقابل 18.7% لصالح المرشح “بيرام ولد الداه اعبيد”، و17.9% للمرشح “سيدي محمد ولد ببكر”، فيما وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى أكثر من 62 %.

    وعلى الرغم من أن هذه الانتخابات تعد انتخابات تاريخية فهي تمثل أول انتقال سلمي حقيقي للسلطة في موريتانيا منذ استقلالها في عام 1960، إلا أنها شهدت حالة من الجدل بعدما شككت المعارضة في نتائجها، بزعم أنها تخالف إرادة الناخبين، واتهمت النظام بمحاولة تزوير نتيجة الانتخابات لصالحه؛ ومن هذا يثار عدد من الاسئلة حول طبيعة تلك الانتخابات وما هي دلالات نتائجها؟ وكيف انعكست تلك النتائج داخليًا وخارجيًا؟ وما الذي ينتظر الرئيس الجديد في موريتانيا؟  

لماذا فاز مرشح النظام؟

    واجه الغزوانى” مرشح الحزب الحاكم “الاتحاد من أجل الجمهورية”، “سيدي محمد ولد بوبكر” رئيس الوزراء الأسبق، الذي يخوض الانتخابات مستقلاً، مع دعم حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” الممثل لتنظيم الإخوان بموريتانيا، وهناك أيضاً “بيرام ولد الداه” مرشح الحركة الانعتاقية الحقوقية “إيرا”، فضلا عن “محمد ولد مولود” مرشح حزب اتحاد قوى التقدم اليساري، و”المرتجى ولد الوافي” الذي يعد مرشح الشباب، باعتباره أصغر المرشحين سناً، وأخيراً كان “حميدو بابا” مرشح ائتلاف التعايش المشترك، الذي يضم أحزاباً ذات خلفية زنجية.

     فلقد خاض “محمد ولد الغزواني” الحملة الانتخابية معتمداً على الثقل السياسي للحزب الحاكم، ودوره في مكافحة الإرهاب بالبلاد، وركز برنامجه الانتخابي على إصلاح التعليم، والنهوض بالاقتصاد عبر توفير فرص العمل، وتنفيذ مشروع حفر قناة نهر السنغال، حتى يصل إلى وسط البلاد في مدينة ألاك.

    في المقابل، ركزت البرامج الانتخابية لمرشحي المعارضة على تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد، وضمان احترام حقوق الإنسان، وإيلاء أهمية قصوى للقضاء على الرق، الذي يمثل نظاماً اجتماعياً متوارثاً، خاصة بالأقاليم والمناطق الحدودية، كما اتفق مرشحو المعارضة على التكتل فيما بينهم لمواجهة مرشح الحزب الحاكم، إذا اضطروا لخوض جولة انتخابية ثانية في 6 يوليو المقبل. (1)

    لكن ظلت فرص فوز “ولد الغزواني” هي الأعلى، باعتباره مرشح الحزب الذي يهيمن على أغلبية مقاعد الجمعية الوطنية والمجالس البلدية منذ تأسيسه عام 2010، والذي يتمتع بتنسيق وتحالفات مع أكثر من 20 حزباً موالياً، بالإضافة لتحالفه مع بعض أحزاب المعارضة، فما زالت المؤسسة العسكرية تحتفظ بالموقع الأهم في المشهد السياسي في موريتانيا، في ضوء توافق قادتها على دعم الرئيس الجديد.

     حيث مثل “ولد الغزواني” تجسيدًا لتلاقي المصالح بين السلطة والقبيلة، فهو الرجل الثاني في النظام من خلال قيادته الجيش ووزارة الدفاع، كما دعم الرئيس المنتهية ولايته “محمد ولد عبد العزيز” بقوة حملة “الغزواني” الانتخابية، ما شكل عامل قوة للغزواني نظرًا إلى موقعه في الحكم.

     فضلاً عن تلك الفرصة السياسية، لعب العرق لـ”ولد الغزواني” دورا في التأثير علي تصويت الناخبين، فهو ينتمي إلى أسرة دينية ذات ارتباطات تاريخية بالصوفية في موريتانيا، ما جعله يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، فدل فوزه من الجولة الأولى على قوة التحالف الذي دعمه والمتمثل بالسلطة والقبيلة والجماعات الصوفية. هذا فضلًا عن انتمائه جهوًيا إلى الشرق الموريتاني الذي يضم غالبية السكان، فحصل على نسبة عالية من الأصوات في العاصمة نواكشوط التي كانت دائما تمنح المعارضة المرتبة الأولى.

    بينما في المقابل، في الحملات الانتخابية للمعارضين، أثارت نتيجة المرشح “بيرام ولد اعبيدي” مفاجأة لدى الكثيرين حيث حل ثانيا في الانتخابات، ورجع هذا إلى تصويت عدد كبير من القوميات الزنجية لصالحه، وقد ظهرت نتيجته قوية في مناطق المدن العمالية التي يشكل الزنوج والحراطين غالبية عمالها.

    أما بالنسبة لمرشح التغيير المدني “سيد محمد ولد ببكر” فقد حل ثالثا بسبب عجزه عن تحقيق إجماع المعارضة حوله، وبذلك ظهر مدعومًا بشكل خاص من الإسلاميين الذين شهد حزبهم انسحابات قوية احتجاجًا على ترشيح “ولد ببكر” الذي قاد حكومات ألقت برموز الإسلاميين في السجن وحلت جمعياتهم أو منعتهم من حق الترخيص السياسي في مراحل أخرى.(2)

تحديات الرئيس الجديد

كشفت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة في موريتانيا عن عدة تحديات أمام “الغزواني”، تمثل أبرزها في:

معضلة الديمقراطية

     مثّل عام 2007 المحطة الرئيسة في الانتقال الديمقراطي الموريتاني بوصول أول رئيس مدني منتخب للحكم، لكن انقلاب أغسطس 2008 الذي قاده الرئيس المنتهية ولايته “محمد ولد عبد العزيز” أنهي تلك التجربة، غير أن المعارضة الموريتانية بجانب الاتحاد الأفريقي وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية استطاعت أن تلتف حول اتفاق “داكار” الذي وضع أسس العودة إلى المسار الديمقراطي، فأُجريت انتخابات رئاسية في عامي 2009 و2014 فاز بهما الرئيس “ولد عبد العزيز”.

    لذا تعد الانتخابات الحالية، الانتخابات الثالثة التي تجري بعد هذا الاتفاق، لذلك يفرض هذا تحديا لـ”ولد الغزواني” باتهامه أنه مجرد حارسًا لإرث “ولد عبد العزيز” أكثر منه صاحب رؤية للتغيير، وأنه مجرد تغيير لوجه النظام مع ممارسة نفس سياسات النظام القمعية السابقة، رغم أن الرئيس المنتخب حرص على استخدام لهجة تصالحية في خطاب حملته الانتخابية، خلاف للهجة سلفه وأسلوبه. (3)

التصادم مع المعارضة

    رفضت المعارضة نتائج الانتخابات الحالية، بدعوى التضييق على مؤيدي المرشحين المعارضين، ومنع ممثليهم من دخول مراكز الاقتراع، وعدم قانونية تشكيل المجلس المشرف على الانتخابات، وإعلان “ولد الغزواني” فوزه بالانتخابات قبل صدور النتائج رسمياً، لذا سعى مرشحو المعارضة للخروج في مظاهرات حاشدة اعتراضاً على نتائج الانتخابات.

    ومن هذا شهدت العاصمة نواكشوط تجمعات من المحتجين، فقطع المحتجون الطرق كتعبير عن رفضهم نتائج الانتخابات، وفي المقابل رفض النظام تنظيم أي مسيرات للمعارضة، كما نشرت وزارة الداخلية عناصرها الأمنية بالمناطق الحيوية، وتم قطع خدمة الإنترنت عن البلاد خوفاً من تهديد تلك التظاهرات لأمن واستقرار البلاد.

    لكن رغم هذا يظل انشقاق المعارضة لا يؤهلها لتكوين جبهة موحدة قادرة على تحدي النظام السياسي القائم في موريتانيا، فأحزاب المعارضة الموريتانية التقليدية ووجوهها البارزة بدأت قوتها تتلاشى، مع صعود قوى سياسية جديدة، تمثلها الحركات الحقوقية المتمثلة في مبادرة “إيرا” التي يرأسها “بيرام ولد الداه اعبيد”، إضافة إلى التيار الإسلامي ممثلًا بـ “تواصل” الذي حل تحالفه في المكان الثالث، لكنها  رغم ذلك لم تستطع التحالف فيما بينها للوقوف ضد “الغزواني”.(4)

السياسة الخارجية الجديدة

    حرصت موريتانيا منذ استقلالها على النأي بنفسها عن الدخول في النزاعات الدولية والإقليمية فعلي مستوى علاقاتها الخارجية، اتبعت موريتانيا سياسة خارجية متوازنة حاولت من خلالها القيام بدور الوسيط في النزاعات، إلا ما كان من أزمة نهاية الثمانينيات مع السنغال بسبب اتهام موريتانيا السنغال بدعم انقلاب عسكري قاده ضباط من الزنوج الموريتانيين، لكن فترة حكم “ولد عبد العزيز” اتسمت بالتداخل بين سياسة خارجية صدامية وسياسة قائمة على الوساطة لنيل الاعتراف والفاعلية الدبلوماسية، ما قد يدعو للتساؤل حول استمرارية تلك السياسة في عهد “الغزواني” من عدمه.

الموقف الدولي من نتائج الانتخابات

    وعلى خلفية الاضطرابات التي واجهتها موريتانيا بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، استدعت الخارجية الموريتانية كلًا من سفراء مالي والسنغال والغابون، ما دفع بعض الأطراف الدولية إلى اتخاذ مواقف بعضها مؤيد وبعضها الآخر قلق من أزمة سياسية محتملة؛ أهمها عربيًا الدعم الإماراتي والدعم المغربي في ضوء ما شهدته العلاقات الموريتانية المغربية من توتر. أما أوروبيًا فكانت إسبانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي أشادت بالانتخابات بأنها تمثل انتقالًا دستوريًا تاريخيا في البلاد؛ لذا تدخلت الأمم المتحدة عبر لقاءات قام بها المبعوث الخاص للأمين العام إلى غرب أفريقيا مع قادة المعارضة والرئيس المنتخب الجديد لمنع تفاقم الوضع داخليًا وخارجيًا. (5)

    وختاماً، هناك العديد من الملفات التي تنتظر “ولد الغزواني” بعد فوزه في الانتخابات الموريتانية، التي تمثّل فرصة لانتقال ديمقراطي حقيقي، أهمها الملف الاقتصادي بتعقيداته فتعتبر موريتانيا الأعلى بين دول الشمال الأفريقي في نسبة الفقر، حيث يعيش 71% من الشعب على أقل من دولارين يومياً، كما سيواجه إرث سياسي وأمني كبير في ضوء إصرار المؤسسة العسكرية على القيام بدور سياسي في الدولة، هذا بجانب الملف الذي يمثل التحدي الحقيقي لنجاح “الغزواني” وهو الوصول إلى حل جذري لمشكلة “الحراطين”، الذين يشكلون 20% من الشعب الموريتاني، حيث تتمثل مطالبهم في العدل والمساواة مع باقي فئات المجتمع.

المركز العربي للبحوث والدراسات

المراجع

(1) حازم عمر، “تحليل نتائج الانتخابات الرئاسية الموريتانية لعام 2019″، المصري اليوم، 29/ 6/ 2019، متاح علي الرابط التالي:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1408716

(2)أيمن شبانة، “موريتانيا: تجربة انتخابية فريدة”، العين الإخبارية، 29/ 6/ 2019، متاح علي الرابط التالي:

https://al-ain.com/article/presidential-election-mauritania 

(3) Yomi Kazeem، “Mauritania is set for its first ever peaceful transfer of power since independence”،QUARTZ AFRICA، 24\6\2019، Available at:

https://qz.com/africa/1650833/mauritania-election-won-by-mohamed-ould-ghazouani

(4) Jennifer Morgan، “Mauritania’s Ruling Party Wins Presidential Election، Opposition Rejects Results”،MOROCCOWORLDNEWS، 25/ 6/2019، Available at:

https://www.moroccoworldnews.com/2019/06/276700/mauritania-ruling-party-presidential-election-opposition/

(5)Lamine Ghanmi،” Historic’ Mauritanian elections contested by opposition”، THE ARAB WEEKLY،29/06/2019، Available at:

https://thearabweekly.com/historic-mauritanian-elections-contested-opposition

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.