Take a fresh look at your lifestyle.

الانتخابات الموريتانية: الخلفيّة، ودلالات التوقيت، وخريطة الفاعلين وأوزانهم النسبية

0 37

محمود جمال عبد العال ٢٣-٩-٢٠١٨

شهدت موريتانيا في الثلث الأول من سبتمبر/أيلول 2018 انتخابات عامة على مستوى المجلس التشريعي والمجالس البلدية والجهوية، وأبرزت النتائج تقدم الحزب الحاكم الذي يرأسه “محمد ولد عبد العزيز” الرئيس الموريتاني. وقبيل الانتخابات دعا “ولد عبد العزيز” الناخب الموريتاني إلى تدقيق الاختيار لمنع الفاسدين من الوصول للمجلس، وانتقدت المعارضة الموريتانية الأجواء التي تمت فيها الانتخابات متهمة حزب الرئيس بتزوير الانتخابات لصالحه.

سنحاول في هذا التقرير رصد عملية الانتخابات والأجواء السياسية التي سبقتها خاصة التعديلات الدستورية التي عززت من نفوذ الحزب الحاكم وصلاحيات رئيس الجمهورية، وكذلك سنرصد نسب المشاركة والنتائج ودلالاتها على مستقبل التطور السياسي الذي قد تشهده موريتانيا خلال الفترة المقبلة.

ما قبل الانتخابات: خلفيّة التحول السياسي

بدأت عملية التطورات السياسية بمحاولات الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد الشيخ عبد الله” من تجاوز نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، وذلك من خلال توظيف الإسلاميين واليساريين في ذلك، ولكنه فشل بسبب تعرضه لمصالح كبار قادة القبائل التي تهيمن على أغلبية البرلمان وقتها إضافة إلى سطوتها على موارد الدولة الأساسية والتي تتركز في مناطق الشمال. واستطاعت هذه القبائل ومنتسبيها في المؤسسة العسكرية والأمنية من قيادة انقلاب سياسي وعسكري ضده. وجرت بعد ذلك انتخابات رئاسية كان “محمد ولد عبد العزيز” الرئيس الحالي مرشحها الوحيد.

حاول “ولد عبد العزيز” تحسين صورة النظام الذي تشكل بعد عزل “ولد الشيخ”؛ حيث أجرى تعديلات دستورية تتعلق بتحديد مدد الرئاسة بفترتين، كما وعد أواخر مارس/آذار 2017 بأنه لن يترشح لفترة رئاسية ثالثة. وعلى الرغم من هذه الإجراءات التي اتخذها في السابق لتعزيز الحقوق المدنية والسياسية، أجرى تعديلات دستورية تقضي بإلغاء محكمة العدل السامية المنوط بها مساءلة رئيس الجمهورية دستوريًا، وكذلك عدَّل المواد الخاصة بمجلس الشيوخ؛ حيث قام بإلغائه واستبداله بمجالس جهوية.

دلالة التوقيت وأهميته

رغم الانتقادات التي يتم توجيهها للعملية الانتخابية سواءً من المعارضة أو المنظمات الحقوقية إلا أن ذلك لم يمنع من إجماع المراقبين أنفسهم على أهمية هذه الانتخابات، وكذلك توقيت انعقادها كونها تأتي في سياق التغييرات الدستورية التي تضمنت إلغاء مجلس الشيوخ واستبداله بمجالس جهوية. من ناحية أخرى، تظهر أهمية الانتخابات كونها تسبق الانتخابات الرئاسية المرتقب إجراؤها في 2019 خاصة وأن “ولد عبد العزيز” وعد أنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة، وهو ما قد يفتح مجالًا لإمكانية حدوث انتقال سلمي للسلطة، وإمكانية تقدم عملية الاصلاح السياسي هناك. في السياق ذاته، تبرز أهمية هذه الانتخابات في مشاركة أحزاب المعارضة لأول مرة في اللعبة السياسية بعد غياب استمر لأكثر من 12 عامًا، وكانت انتخابات 2006 آخر الانتخابات التي شاركت فيها أحزاب المعارضة(1).

خريطة القوى السياسية في الانتخابات

شارك في الانتخابات البرلمانية والبلدية والجهوية زهاء 98 حزبًا سياسيًا بالإضافة إلى المستقلين الذين يطمحون إلى المشاركة بفاعلية في الفترة القادمة خاصة في ظل ما قد تشهده البلاد من تحولات على المستويات السياسية والدستورية والاجتماعية؛ إذ تشير بعض التحليلات إلى اتجاه نظام “ولد عبد العزيز” إلى تغيير الدستور للتمديد لفترة رئاسية ثالثة. تجدر الإشارة إلى أن الدستور الموريتاني يقصر الرئاسة في موريتانيا بقترتين رئاسيتين. وفي هذا السياق، سنحاول الإشارة فيما يلي إلى أبرز التكتلات السياسية التي شاركت في العملية الانتخابية والنتائج التي استطاعت تحقيقها.

1-   حزب الاتحاد من أجل الجمهورية

يُشارك حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في الانتخابات الشاملة التي شهدتها موريتانيا خلال هذا الشهر لتأمين أغلبية مريحة في المجلس التشريعي، والمجالس البلدية، والجهويات التي تم استحداثها مؤخرًا بعد التعديلات الدستورية. وتزعم الرئيس الموريتاني “ولد عبد العزيز” الحزب، وشارك بصفة شخصية في الحملة الانتخابية للحزب من خلال الجولات وخطابات الدعم. يعتبر البعض أن حماسة “ولد عبد العزيز” للحصول على الأغلبية في هذه الانتخابات ترتبط مباشرة بطموحاته السياسية للترشح لفترة رئاسية ثالثة بعد تمرير الاصلاحات الدستورية التي ستسهل عليه هذه المهمة.

2-   تحالف المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة

يضم هذا التحالف أحزابًا من المعارضة القوية التي غلب عليها الطابع الإسلامي، وبالفعل استطاعت هذا التحالف أن يحل ثانيًا في الانتخابات بعد حزب الاتحاد الحاكم. ويضم تحالف المنتدى الوطني عشرة أحزاب، من بينها “التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (الجناح السياسي للإخوان)، وحزب اتحاد قوى التقدم، وحزب الاتحاد والتغيير الموريتاني. ورشح التحالف رئيس حزب التواصل السابق “محمد جميل ولد منصور”، لرئاسة المجلس الجهوي لمدينة نواكشوط، ولكنه فشل في حسم المقعد لصالحه بينما تمكن حزب الاتحاد من الاحتفاظ بهذا المنصب. وقال “محمد ولد الخليل” نائب رئيس حزب اتحاد قوى التقدم أن هدف الاتفاق توحيد قوى المعارضة من أجل ضمان الفاعلية في هذه الانتخابات، واستكر “ولد الخليل” محاولات حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم للهيمنة على القرار السياسي للبلاد خلال الفترة القادمة.

موقف المعارضة من العملية الانتخابية

شككت أحزاب المعارضة في نتائج الانتخابات النهائية، واتهمت المعارضة اللجنة المشرفة على تنظيم الانتخابات بعدم الكفاءة والانحياز لصالح الحزب الحاكم، ومن ناحيته أعلن رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أن اتهامات بعض أحزاب المعارضة بعدم نزاهة اللجنة الانتخابية غير صحيح، وأكد رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات أن اللجنة على مسافة واحدة من جميع القوى والأطراف المشاركة في الانتخابات، وأشار إلى جهود اللجنة في تمثيل مندوبي الأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية مما يجعل اتهامات التزوير لا أساس لها من الصحة(2).

المشاركة كمحدد للامبالاة السياسية (Political apathy)

يرى بعض المتابعين للشأن السياسي الموريتاني أن التعامل الشعبي مع الانتخابات الأخيرة اتسم بحالة من اللامبالاة السياسية، وهو ما قد يُفهم بعدم جدواها. فعلى الرغم من أهمية هذه الانتخابات في تحديد مستقبل النظام السياسي الموريتاني إلا أن مرحلة الإعادة لم تشهد نفس حالة الزخم التي لازمت الجولة الأولى. وتراوحت نسب المشاركة الإجمالية على مستوى البلاد 40%، فيما سجلت العاصمة نواكشوط مشاركة ضعيفة تراوحت بين 20-30%. وعبر الرئيس الموريتاني عن رضاه للنتائج ونسب المشاركة في الانتخابات، واعتبر ان الموريتانيين صوتوا لصالح الاستقرار والتنمية والتقدم(3).

وتمكن حزب الاتحاد من حسم نتائج الجولة الأولى بـ 89 مقعدًا من أصل 157 مقعدًا. وفاز الحزب كذلك بـ 162 مقعدًا من أصل 219 في الانتخابات البلدية بينهما ست من بلديات العاصمة التسع(4).

كيف برز الإخوان المسلمون في الانتخابات؟

يُمثل الإخوان في موريتانيا، وذراعهم السياسي “تواصل” القوة الثانية بعد حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم وذلك استنادًا على النتائج النهائية التي حل فيها ثانيًا بعد الحزب الحاكم، إضافة إلى منافسته على أغلب المقاعد المتاحة. ورغم ذلك، أبرزت النتائج النهائية للانتخابات تراجعًا نسبيًا في شعبية الإسلاميين خاصة مع تنامي المساحات المناهضة لسياساتهم.

وفي هذا السياق، هاجم الرئيس الموريتاني التنظيم، وذلك قُبيل الانتخابات واعتبر فوز حزب الاتحاد من أجل الجمهورية يُمثل هزيمة ساحقة للمتطرفين الدينيين والعرقيين، وذلك في إشارة لحزب تواصل الإخواني. ويأتي تصريح “ولد عبد العزيز”  في ظل موجة تصريحات مشابهة تستهدف تيار الإسلام السياسي الصاعد في موريتانيا، وهو ما يراه البعض خطيرًا خاصة في ضوء التخوفات المتعلقة بمحاولات اجتثاث فكرهم الذي وصفه الرئيس الموريتاني بالمتطرف والراديكالي(5). تأتي هذه الحملة بالتزامن مع ما أفرزته الانتخابات من نتائج ضمنت تمكن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “الذراع السياسي للتنظيم” من الفوز بـ 14 مقعدًا من مقاعد البرلمان(6).

ختامًا؛ يمثل إلغاء الغرفة الثانية من البرلمان الموريتاني “مجلس الشيوخ” واستبدالها بالمجالس الجهوية قد يرسخ من القبلية خاصة أن تقسيم المجالس الجهوية يستند بصورة كبيرة على المناطقية، وهو ما قد يجعل البلاد تعاني أكثر من الانقسامات القبلية والمناطقية. في المقابل، تبرز إيجابية هذا النوع من المجالس كونها تدعم اللامركزية؛ حيث تعتمد بصورة كبيرة على تعزيز الاستقلالية، وتوسيع صلاحيات الجهويات فيما يخص القضايا التنموية، وذلك يكون إيجابيًا على صعيد رسم الخطط وتنفيذها، وتوفير مصادر التمويل اللازمة لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.