Take a fresh look at your lifestyle.

الإخوان والليرة التركية: الدين في خدمة الاقتصاد

0 55

محمود جمال عبد العال ٢٣-٨-٢٠١٨

لاقى موقف الإخوان من تهاوي قيمة العملة التركية، وتوظيفهم للدين لدعم الاقتصاد التركي انتقادات حادة، وذلك للإصرار الجماعة وقياداتها على إقحام الدين لخدمة أهدافها السياسية ومصالحها الأيديولوجية. وذهب البعض ليكشف عن ازدواجية الجماعة في التعامل مع الأزمة الاقتصادية التي شهدتها مصر في الأعوام الثلاث الماضية، وما تتعرض له تركيا في الوقت الحالي؛ حيث دعوا في الحالة الأولى إلى هجر الجنيه المصري وتحويله إلى العملات الصعبة، واستبداله بالذهب والعقار، فيما طالبوا بدعم الليرة التركية، بل والاتجاه لمطالبة أعضاء التنظيم لتحويل ما يمتلكون من العملات الصعبة إلى الليرة، وذلك كدعم للاقتصاد التركي، واعتبار ذلك دعمًا للإسلام. سنتناول في هذا التقرير دوافع الإخوان لدعم الليرة التركية، والتي تتلخص في التوافق الأيديولوجي بينهما، وكذلك ما توفره تركيا من ملاذات آمنة لأنشطة الجماعة سواءً الاقتصادية أو السياسية او الإعلامية. وسيرصد التقرير جهود أعضاء التنظيم في ذلك.

لماذا لليرة وليس للجنيه، و لتركيا وليس لمصر؟

شهد الاقتصاد المصري أزمة حادة أثرت على قيمة العملة الوطنية خلال الثلاثة أعوام الماضية، واستغل التنظيم هذه الأزمة للضغط على النظام السياسي اقتصاديًا؛ حيث دعوا الناس لمنع تحويل الأصول الثابتة والعملات الأجنبية والذهب للجنيه المصري، وهم بذلك لم يأخذوا في حسبانهم تأثير هذا الوضع على رجل الشارع العادي الذي طحنته الأزمة الاقتصادية، وهو غير مُنشغِل تمامًا بصراع السلطة الدائر.

وعلى العكس من ذلك، برزت ردود فعل متناقضة من قِبل أعضاء الجماعة تجاه أزمة الليرة، التي تهاوى سعر صرفها خلال العام الجاري بمعدل 42%. وشهدت خلال الأسبوع الماضي تهاوٍ مضطرد نتيجة العقوبات التي أقرَّتها إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على الاقتصاد التركي. أظهر هذا التعامل ازدواجية الجماعة، وولاءاتها فوق الوطنية، ففي الوقت الذي دعمَّت فيه الاقتصاد التركي باعتباره اقتصادًا لشعب مسلم، دعت للتخلي عن الاقتصاد المصري، وعدم المقامرة في الاستثمار به. وهناك العديد من التفسيرات والدوافع التي تحلل هذا السلوك، سنحاول إيجازه فيما يلي:

1-     توافق المشروع الأيديولوجي: تقوم العلاقة بين تنظيم الإخوان، و”أردوغان” على أساس العلاقات الأيديولوجية؛ حيث تتفق النخبة السياسية الحاكمة في تركيا مع المشروع الفكري لجماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وعلى رأسهم الإخوان المسلمين. وترى التحليلات أن حرص الحركة وقادتها على استقرار النظام التركي اقتصاديًا وسياسيًا يتصل بتوافقات أيديولوجية وسياسية؛ إذ يعتبر الشيخ “يوسف القرضاوي” الرئيس التركي بمثابة الخليفة والممثل لنموذج الحكم الإسلامي الحداثي، بل يذهب به الوضع لاعتبار  أن “أردوغان” هو الذي سيفرض الإسلام في العالم(1). وهناك العديد من الدلالات التي تبرهن على ذلك مثل استضافة إسطنبول للقاءات التنظيم الدولي للجماعة، ولطالما تم تقديم إسطنبول كبديل لنقل التنظيم أنشطته إليها.

2-     استضافة تركيا للتنظيم وقياداته: يعتبر الإخوان أن تركيا هي أحد أهم المنابر لمعارضة النظام المصري من الخارج؛ إذ يجمعهم مع النظام السياسي هناك علاقات عقائدية وأيديولوجية. وقدَّم “أردوغان” علاقاته وارتباطاته التنظيمية مع الجماعة على حساب العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وتركيا. على صعيدٍ آخر، فتحت تركيا أبوابها أمام قيادات الحركة الفارة من مصر بالإضافة إلى تقديمها تسهيلات كبيرة في الإقامة وممارسة الأنشطة السياسية والاقتصادية.

3-     الخوف على استثمارات الجماعة: رتبت أحداث 30 يونيو/حزيران 2013 ظروفًا سياسية واقتصادية خاصة على المنظومة المالية والاقتصادية التي تعمل بداخلها الجماعة؛ حيث انعكست الأحداث سلبًا على رجال أعمال الجماعة نتيجة تشكيل الحكومة للجنة حصر وإدارة أموال الإخوان في الداخل. أدت هذه السياسات إلى هروب رجال الأعمال الصغار باستثماراتهم إلى تركيا، وتشير التقارير الصحفية إلى هروب أكثر من 300 رجل أعمال إلى تركيا برأس مال نقدي يُقدر بحوالي 100 مليون جنيه(2).  

4-     استضافة القنوات الإعلامية والصحفية المؤثرة: تستخدم جماعة الإخوان تركيا كمركز رئيسي لشبكتها الإعلامية والصحفية لمواجهة النظام السياسي في مصر الذي تشكل بعد 3 يوليو/تموز 2013. وفي هذا السياق، تبث العديد من المواقع الإلكترونية، وفضائيات الإخوان كالشرق، ومكملين، ورابعة، والحوار من تركيا. تمثل هذه الفضائيات صداعًا للحكومة المصرية؛ حيث بذلت وزارة الخارجية العديد من المحاولات لإغلاق هذه المنابر.

مواقف الإخوان تجاه الأزمة

كشفت تصريحات العديد من أعضاء وقيادات الحركة في تركيا عن ضحالة الفكر والتقدير لدى التنظيم؛ حيث وضعتهم هذه التصريحات في موقف محرج أمام الرأي العام المصري الذي قارن بين تعاطيهم مع أزمة مصر الاقتصادية وموقفهم من الأزمة التركية الحالية.

واعتبر “صابر مشهور” القيادي الإخواني أن دعم الليرة التركية واجبًا على المسلمين، ودعا كذلك إلى شراء المنتجات التركية، واستخدام الخطوط التركية عند السفر، معتبرًا ذلك تقربًا إلى الله. وقال “محمد إلهامي” عضو تحالف دعم الشرعية التابع لجماعة الإخوان، أن معركة تركيا الاقتصادية هي معركة مع الأمة الإسلامية كلها. وطالب الإعلامي المحسوب على جماعة الإخوان “أحمد منصور” بضرورة دعم الليرة التركية لمساعدة تركيا في التصدي للحرب الاقتصادية التي تواجهها، معتبرًا ان ما تقوم به واشنطن محاولة لمنع أي دولة مسلمة من الاستقلال في قراراها السياسي(3).

واعتبر “محمود خفاجي” القيادي بتحالف دعم الشرعية أن دعم الليرة التركية من أكثر الأعمال التي تقرب إلى الله، وتزيد الحسنات. وكتب على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي تويتر ” ادعم الليرة التركية .. لا تستصغر عملًا قد يكون السبب في نجاتك من النار ودخولك الجنة”، وبرر “خفاجي” موقفه من الليرة التركية وعدم دعمه للجنيه المصري بأن دعم الليرة هو بمثابة دعم لاقتصاد المسلمين، أما دعم الجنيه فهو دعم للحكومة المصرية وليس للمصريين(4).

تُبرز هذه التصريحات إصرار الجماعة ونخبتها على احتكار الدين وتوظيفه لخدمة مواقفهم ورؤاهم. وفي هذا السياق، لم يخرج الأتراك ليؤولوا الدين لخدمة الليرة والاقتصاد مثل ما فعله الإخوان بل اتجهوا لاتهام الإمبريالية الغربية بإصرارها على إضعاف أمتهم. ومن ناحيته، اتهم “أردوغان” من أسماهم بـ “الأعداء الاقتصاديين” في الأزمة، ودعا الأتراك لتحويل العملة الصعبة والذهب إلى الليرة.

على الجانب الآخر، ظهرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي في منطقة الخليج للدعوة إلى دعم الاقتصاد التركي من خلال الذهاب إلى تركيا للسياحة، وذلك من خلال هاشتاج “ادعموا الليرة التركية” الذي لقي تفاعلًا لافتًا. ودعت حملة دعم الليرة التركية في الخليج لشراء المنتجات التركية المنتشرة في الأسواق، أو السياحة للمدن التركية. واطلقت قناة الجزيرة والقنوات الفضائية التابعة لجماعة الإخوان العديد من الوسوم بغرض دعم الليرة. ورصدت صحيفة “عكاظ” السعودية هبة أعضاء تنظيم جماعة الإخوان تجاه المصارف في الخليج لدعم الليرة التركية(5).

تعمل حكومة دولة قطر لضخ ما يقرب من 15 مليار دولار كودائع واستثمارات لدى الجانب التركي، وذلك بعد زيارة أمير قطر للعاصمة التركية أنقرة نهاية الأسبوع الماضي. وعلى المستوى الشعبي القطري، توجه كثير من القطريين إلى محال الصرافة لشراء الليرة التركية وذلك بهدف انعاشها. وتصاعدت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي  لشراء العقارات في تركيا والذهاب للسياحة، ويعتبر القطريون أن ما قام به أمير دولة قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني”  تجاه الأزمة الاقتصادية التركية بمثابة رد للجميل؛ حيث أخذ “أردوغان” صف الدوحة في أزمتها الدبلوماسية الأخيرة مع الرباعي العربي الداعي لمكافحة الإرهاب (السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين).

ختامًا؛ يعكس تعاطي الإخوان مع أزمة الليرة التركية إصرار الجماعة وبراعتها في توظيف كل ما هو ديني لخدمة أغراضها السياسية.  وتعتبر الجماعة أن تركيا بنظامها الحالي بمثابة الملاذ الآمن لأنشطتها السياسية، والاقتصادية. ويخشى أعضاء التنظيم من هبّة الشارع التركي في وجه نظام حزب العدالة والتنمية وسياساته التي يُحملها البعض نتيجة ما آلت له الأوضاع الراهنة، والتي بدأت بأزمات الحزب مع عددٍ من الدول الغربية مثل هولندا، وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

* عن المركز العربي للبحوث والدراسات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.