Take a fresh look at your lifestyle.

الأطماع الإمبريالية في منطقة الصحراء الكبرى

0 102

 اعدادالطاهر المعز * موقع كنعان *  22/5/2012

 الوضع الإقليمي، وظروف الإنقلاب العسكري في مالي

 ورد في أنباء الأسبوع الأخير من شهر آذار مارس 2012، خبر الإطاحة بالرئيس المالي “أحمدو توماني توري”، قبل 5 أسابيع من الإنتخابات المقررة ليوم 29/04/12، ولم يكن الرئيس من ضمن المترشحين، امتثالا لأحكام الدستور الذي يمنعه من الترشح لفترة رئاسية ثالثة:  ”أطاح ضباط متمردون من ذوي الرتب الصغيرة بالرئيس “امادو توماني توري”، صباح الخميس ( 22/03/2012) وقالوا ان حكومته لم تدعم بشكل كاف المعركة التي يخوضها جيش مالي ضد تمرد يحرز تقدما بقيادة الطوارق في الشمال الذي يعج بالاسلحة والمقاتلين الذين كانوا موالين للقذافي ثم فروا من ليبيا.” (رويترز 25/03/2012). “كشف مسئول في وزارة الحرب الأمريكية (باتريك بارنز مسئول القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا ”أفريكوم”) أن قائد الانقلاب العسكري في مالي الكابتن “أمادو هيا سانوغو” تلقى تدريبا عسكريا ومخابراتيا في الولايات المتحدة في عدة مناسبات، كما تلقى تعليمًا عسكريًّا احترافيًّا، يشمل تدريبات للضباط الأجانب الذين يختارهم مسؤولو سفارات الولايات المتحدة في بلدانهم، ويتم التدريب في صفوف مشاة البحرية والمخابرات.” (واشنطن بوست 25/03/2012). وتوفر الولايات المتحدة تدريبا للجيش المالي على مكافحة الارهاب، ومساعدة مالية قدرها 140 مليون دولارا، وشاركت القوات الأمريكية عدة مرات (منذ 2010) في قصف مواقع المتمردين الطوارق شمال البلاد.

 ساهم هذا الإنقلاب في تغيير النظرة السائدة عن جمهورية مالي، على انها “دولة ديمقراطية مستقرة نسبيا في محيط مضطرب، تتخلله الانقلابات والعصيان المدني وحركات التمرد.”، وهي حليف للحكومات الاقليمية والغربية في برنامج “محاربة الإرهاب” ومنع الهجمات وعمليات الخطف التي تقوم بها مجموعات محسوبة على القاعدة.  ومنذ حوالي سنتين، كثفت فرنسا محادثاتها مع الجزائر وموريتانيا، ثم مع مالي والنيجر، نظرا للمصالح الفرنسية في المنطقة (الإقتصادية والسياسية والإستراتيجية)، وقام الجيش الفرنسي بدفع الجيش الموريتاني للقيام بعمليات عسكرية داخل أراضي مالي، لتحرير رهائن فرنسيين كانوا يعملون في شركة “آريفا” الحكومية الفرنسية المختصة في استخراج اليورانيوم وتصنيع الطاقة النووية، ونقل ومعالجة ودفن النفايات.

ومنذ عودة آلاف الطوارق المسلحين، من ليبيا، بعد سقوط نظام معمر القذافي، تكثفت عمليات المتمردين، مما أثار خوف جيران مالي، خاصة النيجر والجزائر، حيث تعيش نسبة كبيرة من الطوارق الذين قد تحذوهم الرغبة في الانضمام إلى الحرب من أجل “أزواد” مستقلة.

 وبعد تأزم الوضع بين متمردي الطوارق والحكومة المالية، وتكاثر عدد اللاجئين من شمال مالي إلى النيجر والجزائر (منذ خريف 2011)، حاولت الجزائر فرض وقف إطلاق النار، وخططت لعقد قمة دولية لدراسة الوضع في شمال مالي، بمشاركة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، “لبحث تمويل صناديق التنمية في المنطقة وملاحقة الإرهابيين”، بهدف حرمان “الإرهابيين” من قاعدة خلفية مهمة، في منطقة تتميز بوعورة التضاريس، وضعف أو غياب الدولة المركزية. لكن هذا الإنقلاب أحدث تغييرا في “جدول أعمال” وأولويات دول المنطقة. وحدث هذا الإنقلاب خلال مرحلة غليان جماهيري في منطقة افريقيا الغربية: احتجاجات وانتفاضات في كل من بركينا فاسو، مالي، السينغال، وإضراب عام في نيجيريا، ومظاهرات في باماكو (عاصمة مالي). ففي حين تبدو مظاهر الثراء الفاحش واضحة لدى فئة صغيرة من المستفيدين من النمو (بمعدل 5 بالمائة في دول افريقيا الغربية)، تعيش أغلبية المواطنين في حالة فقر وعجز عن اقتناء ضروريات الحياة، بالإضافة إلى غياب المرافق الضرورية والخدمات الإجتماعية والصحية وخصخصة قطاعات الصحة والتعليم والنقل والطاقة (الكهرباء)، وتفشي الأمراض الفتاكة كالملاريا والسل وفقدان المناعة، وشلل الأطفال، والإسهال، جراء انعدام المياه النقية والصرف الصحي، إضافة إلى النسب المرتفعة لوفاة الرضع والأمهات أثناء الولادة، ونسبة الأميين والعاطلين عن العمل، وتدني معدل الأمل في الحياة عند الولادة الخ.

 كانت أسباب الإنقلاب المعلنة هي الإحتجاج على ضعف الحكومة، أمام تمرد الطوارق، وعدم تسليح الجيش بما فيه الكفاية لمواجهته، ولكن الإنقلاب اعطى نتائج عكسية، حيث احتل المتمردون الطوارق حوالي نصف مساحة البلاد وأهم مدن الشمال والمساحات الغنية بالمعادن وأعلنوا استقلال “أزواد”، بعد تشريد أكثر من 200 ألف مواطن مالي (إحصاء الهيئة العليا للاجئين يوم 3 نيسان 2012). وقد شجع الوضع الدولي، وسقوط مبدأ “احترام الحدود الموروثة عن الإستعمار”، الذي كان سائدا زمن “الحرب الباردة”، المتمردين الطوارق لإعلان استقلال إقليم “آزواد”، خصوصا بعد ضغط ما سمي ب”المجتمع الدولي” وإرغام السودان على قبول انفصال جنوبه الغني بالنفط والمعادن والأراضي الخصبة، وبعد زعزعة استقرار الكونغو (كنشاسا)، وتقسيمه إلى مناطق نفوذ الجيران (رواند وأوغندا.) الخاضعين بدورهم إلى القوى الإمبريالية (الأمريكية خصوصا).

 يعتبر هذا الإنقلاب أحد “الآثار الجانبية” للحرب الأطلسية على ليبيا، إحدى البلدان المتاخمة للصحراء، وثالث  أكبر منتج للنفط في افريقيا. ولا يمكن الحديث عن هذا الإنقلاب بمعزل عن مخطط إمبريالي أمريكي (وأوروبي) شامل، يستهدف افريقيا، والوطن العربي، من خلال نشر “الفوضى الخلاقة”، وبرنامج “أفريكوم” و”مشروع الشرق الأوسط الكبير” (أو الجديد)،  (إضافة إلى المخطط الفرنسي ثم الأوروبي، الفاشل، “الإتحاد من أجل المتوسط”)، وضمن مخطط السيطرة على مصادر إنتاج الطاقة ومعابرها، ومحاصرة المنافس الصيني الذي تغلغل في أفريقيا منذ بداية الألفية الثالثة الخ، ولا يمكن عزل انفصال جنوب السودان عن هذا المخطط الرامي إلى السيطرة على مصادر الطاقة ومحاصرة المنافس الصيني، وتفتيت وإضعاف عدد من الدول، في افريقيا والوطن العربي.

  تعتبر المنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى مجالا للهيمنة التقليدية للإمبريالية الفرنسية، التي استعمرت عسكريا كافة الدول المحيطة بها، باستثناء ليبيا، وتسيطر على حكوماتها ومواردها، وتنظم الشركات والمخابرات الفرنسية الإنقلابات ضد الحكومات التي لا تستجيب لرغباتها، وترسل فرقا من المرتزقة للتخريب وإذكاء الفتن، وتمويل عمليات التمرد (جزر القمور، البنين، تشاد، ساحل العاج، الكونغو، الغابون.) ولا زالت تحتفظ بقواعد عسكرية في 5 دول على الأقل، إضافة إلى مصالحها الإقتصادية في غرب افريقيا وشركاتها العديدة التي تعتبر افريقيا مجالا حيويا لها (مواد أولية، معادن، نفط، اتصالات، طاقة، استغلال موانئ وبنية تحتية.)، ويوجد حوالي مليون فرنسي يعملون في افريقيا، وتعرض بعض المواطنين الفرنسيين (منهم جواسيس) للإختطاف. ورغم الصورة العامة للرئيس “أحمدو توماني توري” على انه “جندي الديمقراطية” الثابت (وهو عسكري في الأساس، قام بانقلاب سنة 1991، ثم سلم السلطة إلى المدنيين، ووصل إلى الرئاسة بالإنتخاب، سنة 2002)،  يبدو أن بعض القوى الإمبريالية مثل فرنسا وأمريكا لم تكن راضية عن جهود حكومته في مواجهة تهديد القاعدة وحلفائها في شمال مالي الصحراوي النائي، ويتهم أحيانا “بانه يستخدم حجة مكافحة الارهاب لدعم موقعه في السلطة” وتتهمه ايضا بعدم محاربة الفساد وبالبيروقراطية والتسيب، وثمة من يتهم بعض أعضاء حكومة “توري” بالتسامح سرا مع شبكات المتمردين والقاعدة في الشمال، للاستفادة من تهريب المخدرات  والأسلحة والأنشطة غير المشروعة الاخرى المزدهرة في المنطقة الصحراوية. ويبلغ تعداد سكان مالي حوالي 15 مليون نسمة يعيش نصفهم بأقل من 1,25 دولار يوميا.

 تهدد المجاعة حوالي 16 مليون نسمة في المنطقة المحيطة بالصحراء، نتيجة للعوامل المناخية (الجفاف) ولارتفاع أسعار المواد الغذائية (الحبوب والزيوت النباتية)، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بعد فرار حوالي 250 ألف عامل من ليبيا، وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية (النيجر، مالي، تشاد.)، وتتخوف المنظمات الدولية من حدوث انتفاضات على غرار ما حدث سنة 2008، سنة الإرتفاع القياسي لأسعار المواد الغذائية الأساسية، وتضرر الأطفال من انعدام الأمن الغذائي، حيث تعتبر نسبة وفيات الأطفال (أقل 5 سنوات) في منطقة “الساحل” الصحراوي هي الأعلى في العالم.

 الأهمية الإستراتيجية للصحراء الكبرى

 تمتد الصحراء من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر (انظر الخارطة المرفقة)، عابرة حدود 10 دول، على مساحة قدرها 8,6 مليون كلم مربع، بطول 4500 كلم وعرض يتراوح بين 1500 و1800 كلم، وتحتوي على 5 سلاسل جبلية وعرة، ويبلغ ارتفاع قمة سلسلة جبال “تيبستي” (جنوب ليبيا، شمال تشاد) 3415 مترا، وسلسلة جبال “الهقار”  (جنوب الجزائر) 2918  مترا، ومناخها قاسي وجاف، تبلغ درجة الحرارة 55 درجة مئوية، صيفا وتنخفض إلى 5 درجات تحت الصفر خلال ليالي الشتاء،. أما ما سميت منطقة “الساحل” فهي المنطقة المحيطة بالصحراء، التي تحدها جنوبا مالي والنيجر وتشاد، وتحدها من الجانب الشمالي والشرقي موريتانيا والجزائر وليبيا. يسكن المنطقة المحيطة بالصحراء حوالي 80 مليون نسمة، سنة 2008، وقد يقارب عددهم 120 مليون نسمة بحلول سنة 2025، ويعاني حوالي 7 ملايين نسمة من نقص الغذاء بشكل مستمر، إضافة إلى خطر التصحر الذي أتى على أرض بعمق 250 كيلومتر، وامتداد 6000 كيلومتر، خلال قرن واحد، مما يعرض الرعي وتربية الحيوانات وزراعة الحبوب، إلى الخطر، وبالتالي حياة البشر الذين يعيشون في منطقة الصحراء، وانخفاض نسبة المياه في نهر النيجر وفي بحيرة التشاد (حيث انخفضت نسبة المياه إلى الثلث خلال نصف قرن)، ويحتوي باطن الصحراء على أكبر مائدة مائية عميقة في العالم، وعلى اليورانيوم والنفط والغاز والذهب واللؤلؤ والكوبالت، وأكثر من 30 معدن، ومنها النادر والنفيس. ولم تستفد شعوب المنطقة المتاخمة للصحراء من خيراتها، فسكان جنوب الجزائر، حيث حقول النفط والغاز، يعانون من البطالة والفقر، ويقومون بتحركات احتجاجية بشكل مستمر، أما في النيجر فإن نصف السكان في حالة مجاعة، وتعاني نسبة هامة من سكان تشاد ومالي وموريتانيا من الخصاصة والجوع والفقر. ولم تسدد “الدول المانحة” سوى ثلث المبالغ المالية التي التزمت بدفعها. وتعتبر النيجر نموذجا صارخا للنتاقض بين ثراء باطن الأرض وفقر السكان الذين يعيشون على سطحها، حيث تستغل مجموعة الطاقة النووية الفرنسية “آريفا” (أكبر شركة طاقة نووية عالمية، والوحيدة التي تدير كافة العمليات من استخراج اليورانيوم إلى معالجة ودفن النفايات)، يورانيوم النيجر الذي يغطي نصف احتياجاتها. كما تستغل مؤسسة النفط الوطنية الصينية نفط النيجر ومعادن أخرى وتشغل السكان المحليين في ظروف أقرب إلى القنانة أو العبودية منها إلى الإستغلال الرأسمالي، وتعد الشركتان الفرنسية والصينية، أكبر مستثمرين في النيجر، الذي لا يزال من أفقر بلدان العالم. وتعتزم أوروبا تنفيذ “الخطة الشمسية المتوسطية”، لاستغلال شمس جنوب المغرب العربي، وتحويلها إلى طاقة شمسية، مربوطة مباشرة بشبكة الطاقة الأوروبية، التي تستأثر بها، ورصدت لها اعتمادات قدرها 600 مليون دولارا سنويا، وأقر “نادي روما”، بالإشتراك مع مؤسسات مالية وصناعية أوروبية (خاصة من ألمانيا) خطة تحت اسم “ديزرتيك”، تتلخص في نشر “حقول من المرايا” لجمع أشعة الشمس، وتحويلها إلى طاقة تولد يوميا أكثر من 15 بالمائة من احتياجات أوروبا من الطاقة “النظيفة”، وهو مشروع أوروبي، لمصلحة أوروبا، مضر بالبيئة وبسكان المنطقة، لأنه يتطلب كميات كبيرة من المياه (لتنظيف المرايا، من آثار غبار الرياح الرملية، ولتبريد المحركات)، وتبلغ التكلفة الإجمالية للمشروع 400 مليار دولارا، على أقل تقدير. وهناك مشروع أمريكي أوروبي مشترك لإنشاء خط أنابيب عابرة للصحراء، لنقل 30 مليار متر مكعب، سنويا، من الغاز من خليج غينيا، ونيجيريا والنيجر والجزائر، نحو أوروبا، بكلفة أولية قدرت ب 15 مليار دولار.

 الدور الفرنسي

تذرعت فرنسا بانعدام الأمن واختطاف 5 من العاملين في مناجم اليورانيوم في منطقة “أرليت” التي تستغلها شركة “آريفا”، لتعزيز تواجدها العسكري المباشر في النيجر والبلدان المجاورة. وكان مطلب التوزيع العادل للثروات الناجمة عن استغلال اليورانيوم، محورا من محاور تمرد “الطوارق” في النيجر خلال تسعينات القرن الماضي وخلال سنوات 2007- 2009، وقامت فرنسا بتكثيف حضورها العسكري إلى جانب شركات المرتزقة، في منطقة “آغاداز”، وفي محيط مناجم “أرليت” و”إيمورارن”. استخرجت شركة “آريفا” الحكومية الفرنسية أكثر من 100 ألف طن من اليورانيوم (من النيجر)، خلال 40 سنة، أو ثلث مجموع إنتاجها من اليورانيوم الصافي، أو ما يكفي لتشغيل 20 مفاعل نووي، سنويا. بدأت فرنسا في استغلال اليورانيوم في النيجر سنة 1967، ولما طالب الرئيس “حماني ديوري” بحصة أكبر من ثروات البلاد (مستغلا أزمة النفط، بعد حرب اكتوبر 1973، وقرار اعتماد فرنسا على الطاقة النووية)، نظمت فرنسا انقلابا ضده بقيادة “سيني كونتشي”، يوم 15 نيسان 1974، بإشراف الجيش الفرنسي المتواجد على أرض النيجر، وعانى شعب النيجر من القمع والخصاصة في عهده. وأعادت فرنسا الكرة سنة 2010، ضد الرئيس “مامادو طانجا”، الذي فتح باب المنافسة لاستغلال مناجم النيجر، واتفق مع الشركات الحكومية الصينية (والإيرانية) لاستغلال النفط وبعض المعادن الأخرى، وتوقيع عقود معها لأشغال البنية التحتية. واتهمته فرنسا ب”عدم احترام دستور البلاد (النيجر) باعتزامه الترشح لفترة رئاسية ثالثة، وأزاحته بواسطة القوة و”المجتمع المدني”. وتسبب استغلال شركة “آريفا” لمناجم اليورانيوم في مصادرة الأراضي التي يستغلها الرعاة ومربو الحيوانات وتلويث المحيط والبيئة بالغازات السامة والنفايات والإشعاعات القاتلة (مثلما فعلت في الغابون)، وتهجير عشرات الآلاف من أصحاب الأرض الشرعيين، وانتشار الأمراض الجلدية والسرطان والولادات المشوهة.

 يتوزع 10 آلاف جندي فرنسي في القواعد العسكرية الفرنسية في افريقيا، للحفاظ على مصالحها، وتربطها اتفاقيات عسكرية مع عدد من مستعمراتها السابقة، تشرع تدخل الجيش الفرنسي في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، وتدخلت فرنسا عسكريا، لفض مشاكل داخلية في الكامرون والتشاد وافريقيا الوسطى وجزر القمور والكونغو الديمقراطية وساحل العاج وغينيا بيساو وجيبوتي وخليج عدن الخ، وساهم الجيش الفرنسي في جرائم الحرب في رواندا والكونغو برازافيل. وتعتبر فرنسا رابع دولة مصدرة للسلاح في العالم (بعد أمريكا وبريطانيا وروسيا)، بمعدل 6 مليار يورو سنويا (قد يبلغ 8 مليار يورو أحيانا)، وضاعفت من مبيعاتها للدول الافريقية بين سنتي 2006 و 2008، من 16 إلى 38 مليون يورو، خصوصا للدول التي اكتشف فيها النفط والمعادن (تشاد، غينيا، الكامرون) .

أصبحت الهيمنة الفرنسية مهددة من قبل أمريكا التي تعاظم اهتمامها بافريقيا وبثرواتها المعدنية (منذ سقوط جدار برلين)، وبمشروعها العسكري “أفريكوم” (الذي دخل حيز التنفيذ)، كما أصبحت الصين منافسا جديا لكل من فرنسا وأمريكا، في قارة افريقيا، بما في ذلك المستعمرات الفرنسية السابقة. إضافة إلى منافسين آخرين “أقل خطورة” في الوقت الحاضر، مثل الهند وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان.

الإقتصاد الموازي وتمويل الإرهاب

 يقدر أحد أعضاء الحكومة الجزائرية المداخيل المتأتية من الإختطاف مقابل فدية، ب 150 مليون مليون يورو، من سنة 2005 إلى منتصف سنة 2010، ويمثل هذا المبلغ 95 بالمائة من “تمويل الإرهاب”، ويعرض الإرهابيون حمايتهم على العصابات التي تهرب المخدرات أو السجائر أو الراغبين في الهجرة نحو أوروبا، عبر الصحراء مقابل “ضريبة”، وتبادل معلومات، وتقديم خدمات مفيدة للطرفين (ضد حكومات المنطقة ومؤسساتها الأمنية). وحسب تقديرات الديوان الجزائري لمكافحة المخدرات فإن 240 طنا من الكوكايين عبرت أراضي القارة الإفريقية، سنة 2008 ، قادمة من البرازيل والبيرو وكولومبيا، ووقع حجز 52 طنًا من مجموع 75 طنًا سنة 2009 في المنطقة المحيطة بالصحراء فقط. وحدث أن ترك المهربون طائرة “بوينغ”، إثر عطب أصابها في الصحراء، بعد إفراغ حمولتها من المخدرات. وتشير مختلف التقارير الصحفية والأمنية إلى دور حكومة وجيش غينيا بيساو في استقبال وتوزيع مخدرات أمريكا الجنوبية، نحو أوروبا، عبر الصحراء، مقابل “ضريبة” يستفيد منها الضباط وكبار الموظفين.

  انطلقت موجة الاختطافات المتصلة بالإرهاب سنة 2003 عندما اختطفت إحدى المجموعات 30 سائحًا أوروبيًا في الصحراء الجزائرية، ووافقت ألمانيا على دفع فدية بقيمة 5 مليون أورو (معلنة)، وأصبحت اختطافات السياح الأوروبيين مصدرا هاما للدخل “للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.  وفي شمال الجزائر يستهدف الإرهابيون الأثرياء وكبار التجار لحصد فديات ضخمة، ويعتقد أن الجزء الأكبر من هذه “المداخيل” يستغل في شراء الأسلحة التي يسهل اقتناؤها في بعض مناطق افريقيا، التي عرفت حروبا أهلية، كما يخصص جزء من هذه الأموال لأعيان المناطق التي تتحرك فيها عناصر “القاعدة” (أو فروعها)، ويخصص جزء آخر لحفر آبار أو بناء مدارس أو محلات تمريض، لضمان ولاء السكان، أو “حيادهم الإيجابي”. وكانت الحكومة الجزائرية تؤكد على رفض دفع الفدية ورفض التدخل الأجنبي، معتبرة “أن محاربة الإرهاب في الساحل هي مسألة تخص بالدرجة الأولى بلدان المنطقة، ولا مجال لأي تدخل أجنبي. .. لأن الغرب لم يهتم بالساحل الافريقي، سوى لاستغلال ثرواته الطبيعية ولمصالح اقتصادية أخرى واستغلال الفقر وامتداد المنطقة على مساحات شاسعة، مما يضعف سيطرة الحكومات المركزية.”، لكن موقف الحكومة الجزائرية من التدخل الأجنبي تغير، وأصبحت تدعو إلى “التعاون” مع الإتحاد الأوروبي ومع أمريكا، شرط تكريس و”احترام الدور الإقليمي للجزائر”.

 وضع  الطوارق في الخارطة السياسية والإقتصادية

 يقدر عدد  السكان الطوارق ب 1,5 إلى 2 مليون نسمة موزعين على عدة دول أهمها مالي والنيجر والجزائر، وهم السكان البرابرة (أمازيغ) الأصليون، لمنطقة صحراوية شاسعة، ذات كثافة سكانية ضعيفة، وهم ريفيون يعيشون من الزراعة، أو رحل يتنقلون مع حيواناتهم حيث الكلأ والماء. قاوم الطوارق احتلال فرنسا لعدة دول إفريقية منذ نهاية القرن 19  وقتل الفرنسيون زعيمهم “الأمنوكال فهرون” سنة 1916. وبعد استقلال مالي، بقي الطوارق مهمشين نظرا لبعدهم عن المراكز الحضرية وقلة المتعلمين والحاصلين على شهادات، ضمن أبنائهم، وبالتالي عدم حصولهم على مناصب عليا، سياسية أو إدارية أو عسكرية. وطالبوا بعد استقلال مالي (حيث تسكن أغلبية الطوارق) برفع التهميش، وبحق امتلاك الأراضي والحفاظ على خصوصياتهم الثقافية واللغوية غير أن حكومة الرئيس “موديبو كايتا” قمعت هذه الحركة وزجت برموزها في السجون، وتكررت حركات التمرد في مالي وأهمها حركة أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فبادرت الحكومة إلى إرسال قواتها المسلحة إلى شمال البلاد بهدف سحق تمردهم. وعاد الطوارق إلى التمرد المسلح خلال العقد الأول من القرن الحالي، بشكل متقطع، إلى أن ظهرت بوادر تأزم الوضع من جديد في إقليم “أزواد” ( شمال مالي وجنوب غرب الجزائر وجنوب موريتانيا) عندما كثف الحلف الأطلسي غاراته على ليبيا، لإسقاط نظام معمر القذافي، الذي استقبل  زعماء الطوارق، بعد توقيع اتفاقتي إنهاء الصراع المسلح سنة 1992 (برعاية الجزائر) بين الحكومة المالية وقادة التمرد تحت إسم “الميثاق الوطني”، ثم “اتفاقية الجزائر” (4 تموز  2006 ) بين ممثلين عن دولة مالي، وممثلين عن “التحالف الديمقراطي ل 23 أيار من أجل التغيير”. وبعد خروجهم من ليبيا، أصبح قادة الطوارق يبحثون عن حل بديل، تجسد في العودة إلى مطالب التسعينات، مع رفع سقف الطموحات من مطلب التنمية الاقتصادية لشمال البلاد (أقاليم كيدال، غاوة، تمبكتو) إلى مطلب الاستقلال، خصوصا بعد جمع كميات هائلة من السلاح بأنواعه الخفيفة والثقيلة، من ليبيا ومن ثكنات الجيش المالي. انطلق التمرد الأخير لطوارق مالي في شهر آب 2011 ، بعد وفاة “إبراهيم آغ باهنغا” في حادث سير في طريق عودته رفقة بعض أنصاره إلى شمال مالي قادما من ليبيا، وهو زعيم لقبيلة “إيفوغاس” الطوارقية، وأحد قادة تمرد التسعينات من القرن الماضي، الرافضين لاتفاقية السلام، وإثر موته بدأ أنصاره يطالبون، بواسطة البيانات “بحق الطوارق في العيش الكريم وتقرير المصير والحصول على حكم ذاتي” وانضمت إليهم في وقت لاحق مجموعات من المسلحين العائدين من ليبيا، وأسسوا معا “الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA” التي اختارت نهج المواجهة المسلحة في 17/01/2012 ، بدعم من حركة “أنصار الدين” ذات التوجه الإسلامي التي أسسها القنصل السابق في السعودية “إياد آغ غالي”.

 تبلغ مساحة المنطقة الواقعة بين “تمبوكتو” و “غاو” و “كيدال” 820 ألف كيلومترا مربعا، أو 66 بالمائة من أراضي مالي، يقطنها قرابة 1,3 مليون نسمة سنة 2009 (بين طوارق وعرب وصونراي) أو 9 بالمائة من سكان البلاد، وتحتوي منطقة “كيدال” على أكبر منجم للذهب في مالي، بمخزون يقارب 160 طنا، وتحتوي منطقة “تمبوكتو” على مخزون كبير للنفط والغاز (يمتد إلى الجزائر وموريتانيا)، في حوض “تاوديني”، الذي يراهن المستثمرون والشركات متعددة الجنسية على استغلال ثرواته، وتسويق الغاز عبر الجزائر.

 كما اندلعت في النيجر حركة عصيان مسلح، منذ عقود، سميت “”حركة النيجر من أجل العدالة”، استهدفت الشركات الأجنبية والعاملين فيها، وقاومت  الحكومات المُتعاقبة التي لم تمكنهم من الاستفادة من عائدات صناعة اليورانيوم المزدهرة في هذا البلد، والتي تستغلها الشركة الفرنسية “آريفا”، والنفط الذي تستغله الشركات الصينية. فضلاً عن الضرر الكبير الذي لحق أراضيهم الخصبة جراء وجود الصناعات التعدينية. ورغم تنوع الإنتماءات في صفوف المتمردين الطوارق الا أن الإنفصاليين يشكلون الغالبية العُظمى في مالي، من خلال حركتي “الحركة الوطنية لتحرير ازاواد”، التي يتزعمها “بيلا آغ شريف” (أمين عام)، بينما يتزعم جناحها العسكري “محمد آغ نجم”، وحركة “أنصار الدين”، التي يتزعمها “اياد آغ غالي”، وهو من الأعيان، وقنصل سابق في السعودية، ذو نزعة سلفية، وأحد زعماء الطوارق المعروفين، وترتبط حركته “بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي”. وحاولت الحكومة المالية قمع التمرد بالقوة العسكرية الجوية، غير أن انشقاق عدد من الطوارق من الجيش المالي، وعودة المُسلحين المتمرسين على القتال، من ليبيا ومعهم سلاح ثقيل ومتطور، أفاد حركة التمرد الأخيرة ومكنها من السيطرة على عدة مُدن في الشمال وقرب الحدود مع الجزائر، وقتل واحتجاز عدد كبير من الجنود النظاميين، الذين يشكون من نقص التجهيزات والسلاح والعتاد. وبعد الإنقلاب في مالي، سيطر المتمردون الطوارق على المدن الرئيسية، مثل “غاو’ و”كيدال”، ومدينة “تمبوكتو” التاريخية، التي يتجاوز عمرها الألف سنة، وتقع على حافة الصحراء الكبرى، شمال نهر النيجر، ووقف تنظيم “القاعدة في المغرب الإسلامي” إلى جانب التمرد العسكري للطوارق، وارتكب مجازر ضد الجنود النظاميين في بلدة “أغهلوك”، خلال شهر شباط 2012، وكانت “القاعدة” تهرب الرهائن المختطفين إلى مناطق وعرة في مالي، بالتعاون مع بعض المهربين، وفصائل حركات التمرد، والأعيان المحليين. تسببت سيطرة حركات الطوارق على ثلث مساحة مالي في نزوح قرابة 80 ألف لاجئ إلى الجزائر والنيجر وموريتانيا وبركينا فاسو، مما قد يتسبب في مشاكل لهذه الدول، خاصة الجزائر والنيجر اللتين تضمان نسبة من الطوارق في المناطق الحدودية مع مالي، وتستقبل لاجئين ومهجرين، يمكن أن يندس داخلهم الإرهابيون.

دولة ازواد” وبذور الإنفجار

 أعلن طوارق مالي يوم 6 نيسان 2012 استقلال دولة ازواد” في شمال البلاد، وتتخوف دول المنطقة (النيجر، الجزائر، موريتانيا، وكذلك المغرب ونيجيريا والتشاد.) من ظهور منطقة خارجة عن سيطرتها، وأرضًا خصبة لتدريب جماعات مُسلحة، قادرة على شن هجمات عبر الحدود، وتتكون “دولة أزواد” الجديدة، من ولايات تمبكتو وغاو وكيدال، حيث تتواجد حركات الطوارق والإسلاميين المُتشددين الذين عثروا على ضالتهم في منطقة صحراوية، أكبر من فرنسا، تصعب مراقبتها، وتسمح لهم بالانتقال إلى دول الجوار، موريتانيا والنيجر والجزائر، دون صعوبات تذكر. ولكن تعدد المجموعات واختلاف أهدافها، جعل بعض الخلافات تطفو إلى السطح، بين الطوارق، الذين يحلمون منذ عام 1960 بإعلان دولة خاصة بهم، والإسلاميين الذين أعلنوا أن هدفهم هو نشر الشريعة، ليس فقط في أزواد بل في كل مالي، ويرفض عرب مالي (منطقة تمبكتو) والأقليات الأخرى من “صنغاي” و”بول” حكم الطوارق، بالإضافة إلى مخاوف دول الجوار من الوضع الجديد. وكلها عوامل تحمل انفجار “دولة آزاواد”، ولا تستطيع حركة الطوارق السيطرة على الوضع المعقد، حيث ظهر قياديون من إسلاميي “أنصار الدين” التي يقودها “آياد آغ غالي”، (الشخصية السلفية البارزة في حركة تمرد الطوارق خلال التسعينيات) إلى جانب قادة “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي”، في تمبكتو، ومنهـم مختار بلمختار (زعيم إرهابي جزائري) وتؤكد جماعة “أنصار الدين” التي سيطرت على مدينة تمبكتو في شمال مالي، أنها تخوض حربًا “من أجل الإسلام وفلرض الشريعة، وضد الاستقلال”، وستتصدى لحكومة مالي وللاستقلاليين الطوارق، وأكدت “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” التي أعلنت استقلال شمال مالي أنها مُستعدة لمُقاتلة “القاعدة” في إطار “شراكة دولية” (وهنا يكمن تداخل المصالح بين الحركات الإنفصالية والقوى الإمبريالية). ويبدو أن عناصر من حركة “بوكو حرام” النيجيرية قد ساعدت مقاتلي “القاعدة” للسيطرة على تمبكتو، وغاو، مما قد يوسع رقعة الإرهاب إلى كافة دول افريقيا الغربية الغنية بالنفط والغاز والمعادن. ولكن المصالح الإقتصادية الهامة في الصحراء،كتهريب السلاح والمخدرات والدخان والبشر، التي تشارك فيها كل المجموعات، قد تفرض وفاقات وحلولا وسطية تضمن تدفق المال والسلاح، خصوصا في هذه المنطقة الشاسعة التي يصعب على الدول بسط نفوذها الكامل عليها.

بقي أن نشير إلى أن بعض قادة الحركة الوطنية لتحرير آزواد ينحدر من عائلات تعاملت مع الإستعمار الفرنسي في مالي (مثل عائلة “الأنصاري”) ويتباهى بعضهم بعلاقاتهم الجيدة بالإمبريالية الأمريكية وبالصهيونية ويعلنون أن هدفهم “تأسيس الهلال السامي” (الموالي للإمبريالية والصهيونية)، من المحيط الأطلسي إلى فلسطين. وحال إعلان “استقلال دولة آزواد”، سارعت بعض القيادات البربرية المغربية والجزائرية إلى مباركة الإنفصال، وأصدر “المؤتمر الأمازيغي العالمي” (على وزن المؤتمر الصهيوني العالمي) بيانات عنصرية ضد العرب وموالية للإمبريالية والصهيونية، وقد سبق أن استدعى في مؤتمراته (المنعقدة في أمريكا وسويسرا) شخصيات صهيونية، تحملت مسؤوليات حكومية في دولة الإحتلال الصهيوني.

تحالفات باسم “محاربة الإرهاب

 استضافت الجزائر اجتماعا لقادة أركان الجيش في كل من مالي وليبيا وموريتانيا والنيجر (سنة 2009) من أجل تطوير استراتيجية إقليمية لمكافحة الإرهاب، وإنشاء مركز قيادة أمنية إقليمية في مدينة “تامنراست”، جنوب الجزائر.

 وأصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرا حول الإرهاب ( 5 آب 2010)، وجاء في أحد فصوله “أن البلدان المغاربية (أي المغرب العربي)، وخاصة الجزائر، أحرزت تقدما ملحوظا ضد الإرهاب”، وأن حكومات دول منطقة الصحراء “سعت إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بالتصدي للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، إلا أنه كانت هناك حاجة للحصول على الدعم الخارجي في شكل بناء القدرات العسكرية وقدرات فرض القانون”، وأشاد ممثلو الإدارة الأمريكية “بالنجاحات التي أحرزتها جهود قوات الأمن الجزائرية في مكافحة الإرهاب”. “وبما قامت به قوات الأمن الجزائرية من عمل إيجابي للدفاع عن الأراضي الجزائرية. وبأن شبكة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قد اضطرت نتيجة لذلك لنقل عملياتها نحو الجنوب في منطقة الساحل، في موريتانيا والنيجر ومالي، وقامت بمضاعفة هجماتها في تلك المنطقة”. وتركز التقارير الأمريكية على “ضرورة التعاون” الدولي “لمكافحة الإرهاب”، لتبرير مشاريعها الهيمنية (مثل أفريكوم) ولتبديد أموال الدول الفقيرة وحلفائها المؤقتين في شراء الأسلحة (الأمريكية) والعتاد وأجهزة المراقبة والتخابر، وتدريب قوات الجيش والأمن على استخدامها (في ثكنات أمريكا أو على أيدي خبراء أمريكيين في افريقيا) عوض إنفاقها على مشاريع تنموية، لتحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي وخلق وظائف، لتشغيل العاطلين، وتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية، وتطوير مؤسسات التعليم والصحة الخ. وتكررت هذه الإجتماعات ذات الصبغة الأمنية والمخابراتية، وتطور معها تغلغل الإمبريالية الأمريكية في المنطقة.

 ووردت في إحدى فقرات التقرير، الإشادة التالية بنظام زين العابدين بن علي في تونس (سنة 2009): “أعطت الحكومة التونسية أولوية مطلقة لجهود مكافحة التطرف والإرهاب، ففضلا عن الإجراءات الأمنية وفرض القانون، استخدمت الحكومة برامج اجتماعية واقتصادية، كالرعاية الصحية والتعليم العمومي من أجل تحسين الظروف التي يستغلها الإرهابيون لأغراض التجنيد والدعاية.”، ونذكر أن المطالب الإجتماعية كانت منطلقا للمظاهرات، بداية من 17 كانون الأول 2010، وساندت القوى الإمبريالية (منها أمريكا وفرنسا) هذا النظام القائم على القمع والحيف الإجتماعي إلى آخر يوم من عمره. ووردت في نفس التقرير إشادة بنظام معمر القذافي في ليبيا، نظرا “للجهود المبذولة والنجاحات المحققة في مجال محاربة الإرهاب”، وبعد أقل من سنتين استعملت أمريكا نفس الإرهابيين (ممن ادعت محاربتهم في أفغانستان) للإطاحة بالنظام الليبي وتفكيك الدولة وإغراقها في الفوضى والدمار، و”إعادة الإعمار”.

انعقد في الجزائر، يومي 7 و 8 أيلول 2011، مؤتمر لوزراء خارجية الجزائر ومالي وموريتانيا والنيجر إلى جانب الدول الأعضاء في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي و”خبراء في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة” (أي مخابرات الدول الإمبريالية)، “لبحث سبل تكثيف التعاون في مجالات التدريب والأسلحة والاستخبارات والتنمية”، وفق ما ورد في البيان الختامي للمشاركين في هذا “المؤتمر الوزاري حول الأمن في الساحل”، واختيرت الجزائر “لما لها من خبرة ومهارات وشرعية لا غبار عليها، في مكافحة الإرهاب”، وأشاد قائد القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا “أفريكوم”، الجنرال كارتر إف هام بـ “الدور المحوري الذي تلعبه الجزائر في حربها المستمرة ضد آفة الإرهاب الشنيعة”، وتزامن انعقاد المؤتمر مع تخوف حكومات دول المنطقة (خصوصا مالي والنيجر) من تداعيات الإطاحة بالنظام الليبي، وانتشار الأسلحة، “وتأثيرها على استقرار المنطقة المحيطة بالصحراء”، وادعت الدول الإمبريالية، التي أججت الحرب في ليبيا، أن “تركيزها منصب على كيفية مساعدة بلدان المنطقة على القيام بحملاتها الخاصة لمكافحة الإرهاب ومحاربة التهريب عبر الحدود..” وأعلن وزير خارجية الجزائر، التي أصبحت تلعب دور القوة الإقليمية، والوسيط بين الإمبريالية ودول المنطقة: “إننا بحاجة إلى شركاء وإلى تمويل وإلى تأهيل ومعدات ومعلومات”، رغم التصريحات العديدة لقادة الجزائر بأن الحرب ضد الإرهاب هي أولا وقبل كل شيء مسؤولية بلدان المنطقة ولا يمكن لأحد التدخل واتخاذ قرارات نيابة عنهم. واجتمع وزراء خارجية الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر في واشنطن، خلال شهر تشرين الثاني سنة 2011، مع مسؤولين أمريكيين سامين (منهم مستشار الرئيس المكلف بملفات الإرهاب والأمن القومي)، لبحث شؤون أمن الساحل، وحسب الوزير الجزائري المكلف بالشؤون الإفريقية، لقد مثل هذا الاجتماع “مرحلة نوعية”، ورسخ الشراكة الإقليمية لمكافحة الإرهاب، وجاء مكملا لعدة مؤتمرات سياسية وعسكرية واستخباراتية استضافتها مؤخرا الحكومات الإقليمية بما فيها قمة باماكو التي قادت إلى إجراءات جديدة لتبادل المعلومات، وقبل ذلك زار مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، المكلف بالمغرب العربي، الجزائر، ل”بيع عتاد عسكري، في إطار مكافحة الإرهاب”، وأقر بوجود شراكة “هامة” بين الجزائر وأمريكا تقوم على”الصداقة والمصالح المشتركة العديدة ” (والواقع أن لا دخل للصداقة في هذا المجال)، وأصبحت الحكومة الجزائرية ترى “أن التعاون مع أمريكا لمكافحة الإرهاب أساسي وضروري في مستوى تبادل المعلومات والتدريب والتكنولوجيات والتنمية الاقتصادية. لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في إطار جماعي منظم ومتفق عليه.”، وتلح الجزائر، في نفس الوقت، على الربط بين الاستقرار الأمني والتنمية.

الطموحات الأمريكية في منطقة الصحراء

 تعللت أمريكا بأحداث 11/09/2001 للتخطيط لإقامة قواعد عسكرية في افريقيا (كما في مناطق أخرى من العالم)، وكانت أمريكا (ولا زالت) تستغل قاعدة “طانطان” في المغرب، وأثنت الحكومة المغربية على “الأهداف الإنسانية” النبيلة للقوات الأمريكية في المغرب التي “قدمت كمية من اللوازم المدرسية لمصلحة تلاميذ إحدى المدارس الإبتدائية بالمدينة” (وكالة أنباء المغرب العربي، حكومية، 07/04/2005)، وكان قائد قوات الحلف الأطلسي في أوروبا، الجنرال الأمريكي “جونز” قد صرح، في آذار/مارس 2003، قائلا:”لم يعد بمقدور أمريكا أن تبقى بعيدة عما يحدث في افريقيا، وليس بوسع القوات الأمريكية أن تظل تراقب الوضع، انطلاقا من البحر. لقد آن لها أن تحط في اليابسة، في تلك المناطق الشاسعة من الصحراء، التي أصبحت مرتعا للجريمة والإتجار بالمخدرات والأسلحة، ولم يعد بمقدور دولها أن تفرض سيطرتها ومراقبتها.”، ولعبت القاعدة العسكرية الأمريكية في “طانطان” المغربية دورا هاما في إدارة عمليات التجسس بمنطقة “الساحل” والصحراء، وفي تقريب النزاعات المسلحة من دول المغرب العربي (إضافة إلى الحرب الأهلية الدامية والمدمرة التي دامت 10 سنوات في الجزائر)، وتزامن تصريح الجنرال الأمريكي “جونز” مع تدخل قوات الكومندوس المغربية لإفشال محاولة انقلابية في موريتانيا، قادها الضابط “ولد حنانا”، سنة 2003. ومنذ سنة 2005 بدأ الحديث (والتسريبات المقصودة) عن مشروع إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية الموحدة في افريقيا المعروف باسم “أفريكوم”، وتركيز قواعد عسكرية أمريكية حول منطقة الصحراء. وتزامن ذلك مع احتداد التوتر في المنطقة والعمليات المسلحة واختطاف الرهائن، وهذا من شأنه أن يكثف التواجد العسكري الخارجي، ويفتح باب التدخل العلني “المشروع” للإمبريالية، باسم “مكافحة الإرهاب”، ويؤخر عمليات التنمية الإقتصادية وبرامج الصحة والتعليم، لفائدة السكان (هذا إذا كانت للحكومات برامج اجتماعية أصلا). وفي مرحلة لاحقة، اعتبرت أمريكا (قبل عدة سنوات) أن “انتشار الإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات والرقيق، والهجرة غير النظامية، والأنشطة غير الشرعية في الصحراء، مصدر للمخاطر الأمنية والإرهابية، وخطورتها في منزلة خطورة الوضع في العراق وأفغانستان واليمن ودارفور.” (ويكمن الخطر في وضع الإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات، في نفس منزلة الهجرة غير النظامية) لذا تستنتج أمريكا أن من واجبها (الأخلاقي؟) التدخل العسكري المباشر أو بواسطة الحكومات المحلية، “من أجل إعادة الهدوء إلى هذه المنطقة” (الإستراتيجية والغنية بالمعادن والثروات الأخرى)، و”تقترح” أمريكا تمويل التدخل العسكري في منطقة الصحراء بواسطة “أصدقائها” السعوديين، والخليجيين عموما. وبعد سقوط رأسي النظامين التونسي والمصري وسقوط نظام القذافي في ليبيا، كثفت أمريكا من “مشاوراتها” مع حكومات الدول المحيطة بالصحراء، ودعت وزراء خارجية الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر إلى الإجتماع في واشنطن يوم 11/11/2011، “لدعم الشراكة الإقليمية لمكافحة الإرهاب”. واعتبر هذا الإجتماع مكملا لعدة مؤتمرات سياسية وعسكرية واستخباراتية، وللنشاط الدبلوماسي المكثف حول “خطر الإرهاب وتداعيات الثورة الليبية”، وتبادل الخبرات والمعلومات في مستوى التدريب العسكري والتكنولوجيات والتنمية الاقتصادية، بالإضافة إلى زيارات عديدة لمسؤولين أمريكيين لمنطقة المغرب العربي والساحل الصحراوي. وحاولت الجزائر ربط مكافحة الإرهاب بموضوع التنمية (وهو ما لا تقوم به داخل الجزائر) لأن منطقة الصحراء “تعتبر من بين الأفقر في العالم وتواجه نموا كبيرا لشريحة الشباب التي تحتاج إلى موارد لتفادي الانضمام إلى العصابات الإجرامية أو الجماعات الإرهابية”

 مقدمات أفريكوم

بعد انهيار الإتحاد السوفياتي وحل حلف وارسو وتفكك الكتلة الشرقية، لم يعد وجود الحلف الأطلسي مبررا، إذ كانت ذريعة تأسيسه “مقاومة الشيوعية والدفاع عن العالم الحر” (أي الإقتصاد اللبرالي)، لكن حلف شمال الاطلسي شرع في تطبيق استراتيجية عسكرية جديدة تمثلت في اعادة تحديد وظائف ومهام الحلف وتوسيع عضويته ومناطق نفوذه. ومن جملة المناطق التي استهدفتها أمريكا، ومن ورائها الحلف الأطلسي، منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط (بعد السيطرة على شرق ووسط أوروبا وآسيا الوسطى)، فدخل الحلف في مفاوضات مع بعض دول جنوب حوض المتوسط من اجل اعادة انتشار قواته في المغرب العربي وافريقيا، وأفضت هذه المفاوضات الى ابرام اتفاقية شراكة بين حلف شمال الاطلسي ودول جنوب المتوسط تحمل اسم ” الحوار المتوسطي”.

 الحوار المتوسطي

 وقعت خمس دول متوسطية هي موريتانيا والمغرب وتونس ومصر والكيان الصهيوني، اتفاقية الحوار المتوسطي مع الحلف الاطلسي، سنة 1994، والتحقت بها الأردن سنة 1995، وانضمت لها الجزائر سنة 2000. وبعد انفجارات 11 أيلول 2001، شرع حلف شمال الاطلسي عمليا في تنفيذ خطة تموقعه في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخلال سنة 2003، تبنى اعضاء الحلف خطة عمل في البحر المتوسط تحت عنوان “المبادرة الامنية لمكافحة انتشار اسلحة الدمار الشامل”، حددت لها ثمانية اهداف من بينها: مراقبة الملاحة الجوية والبحرية في حوض المتوسط (65 بالمائة من حاجيات اوروبا من الغاز تمر عبرالمتوسط)، وأجرت قوات الحلف مناورات بحرية، بمشاركة دول حوض المتوسط، بعنوان “مراقبة الملاحة في المتوسط ضد خطر الارهاب”. وخلال سنة 2004، شمل نفوذ الحلف الأطلسي كافة دول المنطقة، ودخلت قيادته في محادثات مع انظمة دول المغرب العربي لإقامة قاعدة عسكرية، ونقل القيادة الجنوبية للحلف من اوروبا الى افريقيا، وكان الحلف يفضل المغرب أو الجزائر لاستضافة القاعدة العسكرية، بحكم موقعهما الإستراتيجي. ونظم اليسار الماركسي في المغرب يوم 04/04/2004 وقفة احتجاجية ضد حلف شمال الاطلسي، وبعد سنة، وزع تحالف اليسار بيانا مناهضا للوجود العسكري الامبرايالي في المغرب (04/04/2005). وبدأت أمريكا منذ سنة 2006، تجاهر بمخططاتها العسكرية، وتهيئ لتركيز “أفريكوم”، وتجس النبض لاختيار الزمان والمكان المناسبين لإنجازها، على أرض الواقع. وكانت الجزائر وليبيا وجنوب افريقيا ونيجيريا من الدول المعارضة للمشروع، ولتواجد القواعد العسكرية. أما الجيش المغربي فقد شارك في عدة مناورات برية وبحرية، مع الجيش الأمريكي ومع قوات حلف الأطلسي، في مناطق مختلفة من المغرب (طانطان، ورأس درعة، وتارودانت في الجنوب المغربي، ثم القنيطرة سنة 2010) وقد جاء في بيان للسفارة الأميركية أن هذه المناورات تجري تحت إشراف القيادة الأفريقية «أفريكوم»، وتكثفت هذه المناورات منذ سنة 2008، وراجت أخبار عن إقامة قاعدة عسكرية بالجنوب المغربي بين كلميم وطاطا، إضافة إلى قاعدة “طانطان”.

 الإستراتيجيا الأمريكية وفزاعة الإرهاب

كانت الجزائر وجنوب افريقيا ونيجيريا وليبيا من المعارضين لتواجد قواعد عسكرية أمريكية في افريقيا، في إطار “أفريكوم”، فغيرت أمريكا تكتيكاتها وأصبحت تعتمد على المحادثات والتدريبات العسكرية الثنائية، وركزت على الجزائر (باعتبار رغبة أمريكا في التموقع في المنطقة العربية، قريبا من منابع الطاقة والمعادن وغير بعيد من طريق مرورها)، وتكثفت زيارات الضباط من القيادة الإفريقية الأمريكية (أفريكوم) ومسؤولين أمريكيين آخرين إلى الجزائر في بداية سنة 2010، “لتظهر أن هذا التعاون في محاربة الجماعات الإسلامية الإرهابية في الساحل الإفريقي هو هدف مشترك، تأمل أمريكا والجزائر تحقيقه” وزارت “سوزان إف بورك”، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لمنع انتشار الأسلحة النووية، الجزائر لمدة 3 أيام، (من 20 إلى 22/02/2010) وقالت “تلعب الجزائر دورا هاما في مجال الدبلوماسية متعددة الأطراف وتعتبر شريكا هاما”، وفي تشرين الثاني 2009، التقى قائد “أفريكوم”، الجنرال ويليام وورد (تغير منذ ذلك الحين وعوضه الجنرال كارتر هام)، الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ومسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، لمناقشة “الجهود الأمريكية الجزائرية المشتركة ضد الإرهاب، وخاصة تبادل المعلومات من خلال التدريب.” وشدد الجنرال “ويليام وورد” على أنه لم يأت للجزائر ليطلب منها استضافة مقر “أفريكوم” (وقد كانت هذه المسألة مطروحة في وسائل الإعلام)، وبعد أقل من شهرين من زيارة قائد “أفريكوم”، التقى مسئولون من القوات الجوية الجزائرية، في عاصمة الجزائر، قائد القوات الجوية الأمريكيةفي افريقيا، لمواصلة النقاش حول التعاون في الحرب ضد الإرهاب في المنطقة المغاربية والساحل الصحراوي، وقال اللواء “رونالد لادنيي” أن أمريكا “مستعدة للعمل جنبا إلى جنب مع الجزائر، من أجل ضمان الإستقرار ومواجهة هذه التهديدات” (عن صحيفة “الوطن” 26/01/2010. وحسب موقع “مغاربية” ( موقع أسسته وتديره وزارة الحرب الأمريكية)، بتاريخ 26/02/2010، فإن “تأسيس أفريكوم يشكل تحولا في الحضور الأمريكي في القارة، من السياسي والإقتصادي إلى العسكري، ولو بشكل غير مباشر، وإن زيارات مسؤولي أفريكوم إلى الجزائر استهدفت أساسا معالجة الوضع الأمني في الساحل الافريقي، وتهدف الشراكة العسكرية بين أمريكا والجزائر إلى تحديث القوات العسكرية في المنطقة وتبادل المعلومات الأمنية والإستخباراتية، قبل تزويدها بتجهيزات متطورة، على غرار أجهزة الرصد، والطائرات الإستطلاعية من دون طيار”، أي ربط جيوش المنطقة بالجيش الأمريكي، تجهيزا وتدريبا وإيديولوجيا أيضا لمدة طويلة. وأعلن الجنرال ويليام وورد عن “تطابق الأهداف بين الجزائر وأمريكا، ورغبتهما في الإستقرار وحماية المواطنين الأبرياء من الضرر، والعمل معا على للوقاية من أعمال التطرف العنيف”. ولا يستحي الجنرال وورد من الحديث عن حماية المواطنين الأبرياء، وزهو الذي ساهم في الإعتداء على العراق واحتلاله وتدميره واستعمال الأسلحة السامة والفتاكة، كما ساهم في عديد المهمات القذرة في فلسطين والوطن العربي وغيرها. لكن يبدو أن أمريكا استفادت من تجربتها في العراق وفي أفغانستان، وأصبحت لا تكتفي بالمراقبة من السماء بواسطة الأقمار الصناعية أو بواسطة التكنولوجيا، وعادت إلى التركيز على جمع المعلومات بواسطة المخبرين والجواسيس، وهو ما بدا جليا في البيانات والتصريحات الرسمية الأمريكية أو من جدول أعمال الإجتماعات المشتركة، وتحاول أمريكا الإستفادة القصوى من جيوش ومخابرات “الأصدقاء”، والتخفيف من خسائرها البشرية، فتعهد بالمهمات القذرة إلى الجيوش والمخابرات المحلية، وتستأثر أمريكا بمداخيل بيع الأسلحة والتكنولوجيا، ومراقبة مصادر الطاقة وطرق تسويقها.

 خاتمة

 يثير انقلاب جمهورية مالي والأحداث اللاحقة له، وإعلان تأسيس الطوارق ل”دولة آزواد” في الصحراء الكبرى عدة تساؤلات عن المستفيد من الإنقلاب ومن إعلان هذه الدولة الجديدة. تعمل أوروبا منذ نصف قرن على إزالة الحدود وفتح الأسواق داخلها، ولا زالت تتوسع لضم أكثر ما يمكن من الدول إلى الإتحاد الأوروبي، وخلق مؤسسات موحدة وعملة موحدة واقتصاد مرتبط، وتحاول توحيد سياستها الخارجية وسياستها المالية، رغم الحروب الطاحنة التي جرت بين هذه الدول، قبل 65 سنة. لكن أوروبا وأمريكا (وتوابعها من كندا وأستراليا إلى دول أوروبا الشمالية) تشجع وتعمل على تقسيم الدول العربية والافريقية (العراق، السودان، ليبيا، مالي.) وخلق كيانات هزيلة فوق أراضي شاسعة، تصعب مراقبتها والسيطرة عليها، وتفتقر للبنية التحتية ولمقومات الدولة الحديثة. وبذلك تسهل مراقبة هذه الكيانات والسيطرة عليها لتصبح حليفا أو تابعا، وقاعدة أو نقطة انطلاق، أو محطة للتوسع الإمبريالي، وللسيطرة على الثروات الهائلة في افريقيا مثلا (المياه والمعادن والطاقة والموقع الإستراتيجي.)

 بلخص الباحث الجزائري محمد برقوق (مركز الشعب للدراسات الإستراتيجية)، في حزيران 2011، الأطماع الإمبريالية في المنطقة، كما يلي: “بدأ اهتمام أمريكا بالمنطقة سنة 1961 وأبرمت أول اتفاق عسكري مع مالي، بعد سنة واحدة من استقلالها، وأبرمت فرنسا اتفاقا مع البلدان التي تستعمرها سنة 1961، وعدلته سنة 1974، وتحافظ فرنسا على قواعد عسكرية في التشاد وجمهورية افريقيا الوسطى والغابون وساحل العاج والسنغال وجيبوتي.” ولأمريكا قاعدة في جيبوتي وشبكة كثيفة من العلاقات الأمنية والعسكرية في البلدان الافريقية، واعتمدت أمريكا مقاربة مختلفة عن فرنسا، وتتمثل في الإختراق الإستراتيجي، باعتماد مجموعة من الأدوات من قبيل التكوين والمساعدات العسكرية والمالية، في شكل هدايا وتجهيزات وبرامج مثل عملية “فلينتوك” السنوية، وهي مناورة عسكرية “تهدف لتطوير القدرات العسكرية الافريقية”، وأهم هذه الأدوات، الحوار بين قادة أفريكوم وقادة الدول الافريقية، وللمرة الأولى تنخرط قيادة عسكرية إقليمية أجنبية في الحوار مع البلدان الافريقية، وكأنها طرف فيه، وهو نوع من “العلاقات العامة”، لإظهار أن افريكوم ليست أداة للهيمنة. وجرت عدة اجتماعات بين قادة أفريكوم وقادة أركان جيوش منطقة الساحل والصحراء (بإدماج المغرب)، وأطلق الأمريكيون مشروعا جديدا لسنة 2011، يستهدف النخب المدنية والعسكرية في المغرب وتونس، إضافة إلى برنامج “ميبي” (مشروع الشراكة للشرق الأوسط) ودوره الإيديولوجي لتخريب المجتمعات العربية، وغرس الأفكار “النيوليبرالية”، وتمرير مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” وقبول الهيمنة بدعوى “الإنفتاح”، وأحيانا الإستنجاد بالإمبريالية “لنشر الديمقراطية” وإزاحة الأنظمة الدكتاتورية (التي تساندها الإمبريالية)، وتستهدف أمريكا وأوروبا لنشر سمومها الشباب المتعلم والنساء والصحافيين ورجال الأعمال، ومن تسميهم “ناشطي المجتمع المدني” (مفردة ناشط، تعوض كلمة مناضل، حتى لدى الفلسطينيين المحتلة أرضهم)، وتخصص لهم ندوات ومحاضرات ودورات تأهيل الخ. أما أمريكا واوروبا فإنها تغلق حدودها أمام البشر والمنتوجات (الفلاحة والصناعات التقليدية.) والأفكار الداعية للتحرر من الهيمنة، القادمة من الدول الفقيرة، وأفريقيا والوطن العربي على وجه الخصوص.

 المراجع:

 الإستشهادات الواردة لرسميين أمريكيين مقتطفة من موقع “مغاربية” الذي تموله وزارة الحرب الأمريكية، متابعة الموقع بين 2006 و 2012 – magharebia.com

 “أفريكوم”، مخطط امبريالي أمريكي في افريقيا – الطاهر المعز – آذار/مارس 2009

 “ميبي”، مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي- الطاهر المعز – نيسان 2009 – MEPI

 ملحق

 خارطة منطقة الصحراء الكبرى و”الساحل” الافريقي

Rural Visit as shown in NASA Earth Observatory

Map of the sahel in north Africa. Some scientists include Eritrea in the sahel

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.