Take a fresh look at your lifestyle.

اغتيال الشَّهيد البطش في ماليزيا يُفَجِّر جَدلاً في أوساط “حماس” بين مَدرَستين إحداها تُطالِب بالانتقام ونَقل العمليّات إلى الخارِج والثَّانِية بِضَبط النَّفس

0 52

رأي الْيَوْمَ ٢٣-٤-٢٠١٨م
تُدرِك القِيادة الإسرائيليّة جيّدًا أنّ حَركة المُقاومة الإسلاميّة تَسير على خُطَى “حزب الله” من حيث التَّركيز على امتلاك العُقول المُتمَكِّنة من التُّكنولوجيا الحَديثة القادِرة على تطوير أسلحة نوعيّة، وخاصَّةً الصَّواريخ وطائِرات “مُسيَّرة” أو “الدرونز″، ولهذا باتَت تُركِّز في الأيّام الحاليِّة على اغتيال كُل مُبدِع فِلسطيني أو عربي أو إسلامي في هذا المِضمار، وهذا ما يُفَسِّر اغتيال “الموساد” الإسرائيلي للشَّهيدين التونسي الدكتور محمد الزواري عام 2016 والفِلسطيني الدكتور فادي البطش قبل يَومين في ماليزيا.
هذا الاستهداف الاستخباري الإسرائيلي للمُجاهِدين الفِلسطينيين داخِل الأراضي المُحتلَّة وخارِجها، ربّما يَدفع بِقِيادة حركة “حماس” وسائِر الفَصائِل الفِلسطينيّة الأُخرى إلى التخلِّي عن “فَضيلة” ضَبط النَّفس، ونَقل المَعركة إلى خارِج فِلسطين المُحتلَّة، مِثلما أكّد لنا مَسؤولٌ كبيرٌ في الحَركة، “لأنّ الكَيل قد طَفَح”، حسب تعبيره.
هُناك مَدرستان داخِل حركة “حماس” تنقسِمان حول هذهِ المَسألة وكيفيّة التَّعاطِي معها:
ـ الأولى: تُطالِب بالرَّد الانتقامي على كُل عمليّة اغتيال تستهدف الكوادِر “الحمساويّة” في كُل مَرّة تَستهدِف فيها المُخابرات الإسرائيليّة قِياديًّا فِلسطينيًّا في عواصِم أو مُدن خارِج فِلسطين المُحتلَّة، والتخلِّي عن سِياسة الحَذر في هذا المِضمار، ونَضرِب مَثلاً بالجَبهة الشعبيّة لتحرير فِلسطين التي بادَرت فورًا باغتِيال الوَزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي، انتقامًا لاغتيال الشهيد أبو علي مصطفى، أمينِها العام.
ـ الثَّانية: ترى أنّ القِيادة الإسرائيليّة تُريد استدراج حركة “حماس” لتَنفيذ عمليّات انتقاميّة في الخارِج لإلصاق تُهمَة “الإرهاب” بها، على غِرار ما حدث لمُنظَّمة التحرير الفِلسطينيّة عندما أقدمت فَصائِلها على تفجيرات وخَطف طائِرات، وهجمات على السَّفارات الإسرائيليّة في فترتيّ السَّبعينات والثَّمانينات مِن القَرن الماضي، ويَضرِب أنصار هذهِ المَدرسة بحالة ضَبط النَّفس التي يتبعها “حزب الله” مَثلاً حيث يَحصُر المَعركة داخِل الأراضي المُحتلَّة مع استثناءات غير مُؤكَّدة، مِثل عمليٍة استهداف حافِلة تَقِل إسرائيليين في بلغاريا، وأُخرى استهدفت تفجير السَّفارة الإسرائيليّة في بوينس آيريس، ولم يتم العُثور على أيِّ دليل يُثبِت الاتّهامات الإسرائيليّة حتى اليوم.
ويُجادِل أنصار المَدرسة الأولى التي تُطالِب بأعمال انتقاميّة ضِد أهداف إسرائيليّة في الخارِج، بالقَول أنّ جِهاز “الموساد” كسر كُل القَواعِد، ونَفّذ اغتيالاتِه في مُدن وعواصِم عَربيّة وإسلاميّة، ولم يتم تَوجيه أيَّ لَومٍ غَربيّ لإسرائيل، مُضافًا إلى ذلك أنّ حركة “حماس” مَوضوعةٌ على قائِمة الإرهاب أصلاً، وليس لدَيها ما يُمكِن أن تَخسره، خاصَّةً أنّ عمليّات اغتيال كوادِرها المَيدانيّة وعُقولِها الإبداعيّة تزايَدت في الأعوامِ الأخيرة بسبب اطمئنان الحُكومة الإسرائيليّة لعَدم حُدوث أي رُدود انتقاميّة.
من الصَّعب علينا أن نُرَجِّح كفّة هذهِ المَدرسة أو تلك، وما يُمكِن قوله أن حِدّة الجَدل بين أنصار المَدرستين تصاعَدت بعد اغتيال الشهيد الدكتور البطش في ماليزيا، وإن كان الاعتقاد السَّائِد بأنّ كفّة مدرسة ضَبط النَّفس ما زالَت هي الأعلى قليلاً حتّى كِتابة هذهِ السُّطور.
الأمر المُؤكَّد أنّ خسارَة الشَّهيدين الزواري والبطش كبيرة بالنِّسبة إلى كتائب القسام، الجَناح العَسكريّ لحَركة “حماس” فالأوّل كان مهندس صِناعة طائِرات “أبابيل” المُسيَّرة، والثَّاني أبدَع في تكنولوجيا الصَّواريخ وتَطوير قُدراتِها ودِقّة أهدافها، ولكن حركة “حماس” حركة “ولّادَة”، وتستطيع تَعويض مُبدعيها الذين دَرَّبوا كوادِر عَربيّة وإسلاميّة في مُختَلف مَجالات العُلوم العَسكريّة، مِثلما قال لنا “مَسؤولٌ كَبيرٌ” فيها.
الرَّد على اغتيال الشهيد البطش سيأتي حَتمًا، فالعَقل الفِلسطيني الذي ابتدع الطَّائرات الشِّراعيّة، وبعدها الأخيرة “المُسيَّرة” والصَّواريخ المُتطوِّرة، وأخيرًا مَسيرات العودة، التي تُجسِّد المُقاومة السِّلميّة في أقوى صُورِها، لن يَعجز عن مُفاجأةِ الكَثيرين برَدٍّ انتقامِيٍّ بحَجم الشُّهداء، تمامًا مِثلما تَوعّدت كتائِب القَسَّام بتَنفيذ اربع عمليّات انتحاريّة على اغتيال الشَّهيد المهندس يحيى عياش عام 1996، ووفَت بالعَهد.
ومن المُفارَقة أنّ العَميل كمال حماد الذي زَوَّد الشهيد عياش بهَاتِفٍ ملغوم عبر ابن اخته الذي كان مُرافقًا لعياش، خرج في مُقابلةٍ مع القناة الثانية الإسرائيليّة يتَّهِم “الموساد” بالغَدر بِه، والتخلِّي عنه، ورَفض تَجنيس زوجته، وباتَ يَتسوَّل لُقمَة عَيشه، وهو الذي كَوَّن ثَروةً مِقدارها 20 مليون دولار من أعمال المُقاولات في قِطاع غزّة، صادَرتها السُّلطة في حينِها، وباتَ الرُّعب مِن الاغتيال يتلبَّسُه، مِثله مِثل أنطوان لحد، الذي فتح مَطعَمًا للفلافل في تل أبيب.
إنّها حَربٌ طَويلة، واغتيال الشُّرفاء والمُجاهِدين هِي إحدى حَلقاتِها، ولكن الغَلبة كانَت دائِمًا للمُقاوِمين الذين يُقاتِلون بالوَسائل كُلِّها لاستعادة حُقوقِهم المُغتَصَبة، والمُقاومة الفِلسطينيّة لن تَكون استثناء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.