Take a fresh look at your lifestyle.

استراتيجية “ترامب” في الشرق الأوسط ما بين الابتزاز والمهادنة

0 23

آية عبد العزيز

تعد السياسة الخارجية الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط بإنها متغيرة ومرنة وفقًا لما تقتضيه المصلحة الوطنية الأميركية، كما إنها تتأثر بمؤسسات صنع واتخاذ القرار السياسي؛ حيث تتميز  الولايات المتحدة الأميركية بإنها عبارة عن مؤسسات منفصلة ولكنها متشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار،  علاوة على أن نوعية التهديدات التي تواجها واشنطن من المنطقة تحدد مسار السياسة الخارجية في المنطقة وعليه تتم بلورة السياسة الدفاعية الأميركية تجاه المنطقة.

استندت السياسة الخارجية الأميركية تجاه المنطقة منذ تولي “دونالد ترامب” على عقيدة رجل الصفقات الذي اتبع آليات العرض والطلب في التعامل مع دول المنطقة بما يعزز مكانة واشنطن دون دفع أي مقابل لحماية شركائها بل هم من يدفعون مقابل الحماية، كما اعتمد على سياسة الابتزاز  مقابل الحماية مع دول الخليج العربي مبررًا أن بقاء هذه الأنظمة ترجع للحماية الأميركية، وفيما يتعلق بالطموح النووي الإيراني فإنه يرفض استمرار الاتفاق النووي معتبرًا إنه غير مجدي ولابد من التفاوض مر ة ثانية لذا فقد قرر الانسحاب من الاتفاق.

محددات التحرك الأميركي تجاه الشرق الأوسط  

                تبنت الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة “ترامب” مبدأ التواجد في المنطقة بدون تحمل أعباء التواجد، علاوة على منع أي قوى إقليمية أو دولية في ملئ الفراغ استراتيجي يمكن أن تتركه واشنطن جاء ذلك نتيجة عدد من المحددات على النحو التالي:

1-     تراجع الطلب على النفط؛ أدت الاكتشافات النفطية الجديدة في الولايات المتحدة “النفط الصخري”، واتباعها استراتيجية جديدة تعتمد على تنوع مصادر الطاقة دون الاعتماد على دول الخليج العربي إلى تراجع الاحتياج الأميركي بشكل كبير ، إلا إنها مازالت مرتكزة على أهمية استقرار أسعار النفط في المنطقة لأنه يؤثر بشكل كبير على الأسعار العالمية، فضلًا عن ضمان استمرار تدفقه للدول الغربية.

2-     محدودية التأثير؛ أدركت الإدارة الأميركية مدى تأثيرها على مسارات الأحداث في الشرق الأوسط وهو ما تجسد إبان التداعيات العكسية للثورات العربية، بالإضافة إلى الرغبة الأميركية في عدم التدخل خوفًا من تكرار  ما حدث في العراق وأفغانستان، الذي مثل أيضًا توجهه الرأي العام الأميركي الرافض للانخراط مرة ثانية في قضايا المنطقة المثارة.

3-     أميركا أولًا؛ تسعى الإدارة الأميركية إلى تعزيز مبدأ الانعزال في سياساتها الخارجية بالتزامن مع تعزيز نفوذها كفاعل دولي رئيسي في النظام العالمي بدون التدخل البري عبر دعم الفاعلين من غير الدول بالإضافة إلى التدخل عبر المظلة الأممية. لذا فقد اعتمد “ترامب” على عدد من القيادات السياسية ذات الخلفية العسكرية لتنفيذ هذه السياسات مثل مستشار الأمن القومي “هربرت رايموند مكماستر”، ووزير الدفاع “جيمس ماتيس”.

4-     ترسيخ التواجد في آسيا؛ تسعى الإدارة الأميركية إلى التوجه نحو آسيا لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد وخاصة في بحر الصين الجنوبي، كما ترغب في إبرام اتفاق سلام مع كوريا الشمالية بشأن برنامجها النووي من خلال الضغط عليها من خلال العقوبات الاقتصادية التي أتت ثمارها في سياق القمة الأميركية الكورية في سنغافورة، وعليه فقد أعلن الزعيم الكوري وقف التجارب النووية والبدء في تفكيك بعض المنشأة الخاصة بالتجارب النووية، كما طالب “ترامب” بالعودة إلى اتفاقية الشراكة عبر الهادي مع بعض القوى الآسيوية بعد انسحابه منها إبان توليه الحكم في يناير 2017. 

5-     مواجهة الصعود الروسي؛ أصبح الإطار الحاكم للتواجد الأميركي في المنطقة مواجهة القوى الصاعدة مثل روسيا التي استعادة مكانتها الدولية عبر البوابة السورية التي مهددة الطريق أمام موسكو لترسيخ نفوذها، كما اتخذت موسكو من سوريا موطئ قدم لها أدى إلى زيادة تواجدها من الناحية العسكرية من خلال إقامة قواعد عسكرية جديدة يمكن استخدامها كمحاور استراتيجية في نقل الطاقة من موسكو نحو الغرب الأوروبي عن طريق سوريا، فضلًا عن نشر منظومات الدفاع الجوي (s400)، و(s300).

السياسة الدفاعية لإدارة “ترامب” في المنطقة

                انتهجت إدارة “ترامب” سياسات دفاعية مغايرة عن إدارة الرئيس السابق “باراك أوباما” التي تميزت بالحذر في استخدام القوة العسكرية، والتعامل معها كخيار أخير بالتزامن مع التحرك في سياق الشرعية الدولية والتنسيق على كافة المستويات مع الشركاء بدلًا من التحرك منفردًا.

بجانب دمج النظم السياسية غير المعتدلة مثل إيران  في النظام العالمي وجعلهم أكثر التزاما بقواعد القانون الدولي لخلق بيئة أكثر استقرار، بالإضافة إلى التعامل مع الإسلاميين ومنحهم فرصة للصعود في السلطة ودعمهم في أعقاب الثورات العربية.

                في المقابل اتبع “ترامب” نهجًا أكثر  اختلافًا تجسد في  الاستخدام المباشر للقوة الصلبة  من خلال توجيه ضربات عسكرية سواء بشكل منفرد مثل الهجوم الأميركي على مطار الشعيرات بسوريا، وقصف تنظيم “داعش” في أفغانستان مستخدمًا لأول مرة قنبلة غير نووية تعرف باسم “أم القنابل” من طراز GBU-43. بجانب توجيه ضربات عسكرية بالتعاون مع بعض الحلفاء الأوروبيين مثل بريطانيا وفرنسا في أبريل/ نيسان 2018، لردع النظام السوري المتهم باستخدامه الأسلحة الكيماوية ضد الشعب.

وفي هذا السياق استطاعت إدارة “ترامب” توظيف البعد العسكري بشكل إيجابي من خلال من خلال إبرام عدد من الصفقات العسكرية مع دول الخليج العربي، فضلًا عن الاعتراف بتهديد إيران للمصالح الأميركية ورفض الاتفاق النووي والانسحاب منه تمهيدًا لعودة العقوبات الاقتصادية كجزء من سياسات الردع الاستراتيجي دون التشاور مع الحلفاء الدوليين.

موقف الإدارة الأميركية من بعض القضايا في المنطقة

                يرتبط الموقف الأميركي من قضايا الشرق الأوسط بضمان وحماية المصالح الأميركية أولًا التي تتجسد في دعم وحماية أمن إسرائيل الحليف الاستراتيجي في المنطقة، ومكافحة الإرهاب والتطرف العابر للحدود، مع ضمان استقرار أسعار النفط وتدفقه إلى الحلفاء الأوروبيين، وتنامي التعاون والتنسيق الأمني والعسكري مع الدول المعتدلة في المنطقة. علاوة على الارتباط بعلاقات وثيقة مع مصر لضمان الصوت المعتدل في المنظمات الدولية فضلاً عن إنها فاعل دولي مهم وشريك للولايات المتحدة في إدارة عملية السلام  بين فلسطين وإسرائيل. عليه فقد بلورة إدارة “ترامب” عددًا من المواقف تجاه بعض القضايا في المنطقة وفقًا لما تقضيه المصلحة الوطنية على النحو التالي:

1-     الحرب على الإرهاب؛ تساهم الإدارة الأميركية برئاسة “ترامب” في الحرب على الإرهاب في المنطقة ولكن وفقًا لرؤية “ترامب” التي تعتمد على الابتزاز ؛ حيث أكد مرارًا  على أن دول الشرق الأوسط لابد أن تدفع مقابل الحماية الأميركة والمشاركة في الحرب على الإرهاب والتنظيمات المسلحة مثل “داعش”، كما أوضح أن واشنطن تعمل مع مصر ومجلس التعاون الخليجي والأردن على إنشاء منظومة أمنية جديدة لدعم أمن واستقرار المنطقة وذلك إبان كلمته في افتتاح الدورة 73 من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2018.

2-     الاتفاق النووي الإيراني؛ اتخذ “ترامب” موقفًا صارمًا من الاتفاق النووي منذ حملته الانتخابية وبالفعل سعى إلى الانسحاب من الاتفاق باعتباره غير كافيًا لكبح الطموح النووي لطهران؛ وعليه فقد اتخذ إجراءات عديدة تجاههم منها عودة العقوبات الاقتصادية على خلفية الانسحاب من الاتفاق (5+1). كما أوضح إن طهران تُثير الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة ولابد من التصدي لطموحاتها في المنطقة، متعهدًا بعدم السماح لها بامتلاك السلاح النووي؛ حيث يحمل هذا التعهد في طياته رسالة طمأنة إلى دولة الكيان الصهيوني بان واشنطن مازالت متعهدة بحماية أمن واستقرار ها.

3-     تصفية عملية السلام؛ تراجعت الإدارة الأميركية عن كونها وسيطًا محايدًا في عملية السلام بين الشعب الفلسطيني ودولة الكيان الصهيوني وعليه فقد تبنت سياسات غير متوازنة ومغايرة لإدارة “أوباما” التي حاولت عدم المواجهة مع دول المنطقة من خلال التحيز تجاه تل أبيب؛ حيث قامت إدارة “ترامب” بالاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لكيان الاحتلال وأمرت بنقل السفارة الأميركية إليها في خطوة مفاجئة تراجع عن تنفيذه العديد من الرؤساء الأميركيين.

مما أدى إلى زيادة وتنامي الانتهاكات في حق الشعب الفلسطيني نتيجة تخلي الولايات المتحدة عن كونها وسيط محايد في إدارة عملية السلام إلى كونها طرف متحيز يساهم على تصفية القضية، فضلاً عن استمرار الضغط الأميركي بوقف المساعدات المقدمة إلى وكالة الأونروا للقضاء على حلم العودة للاجئين الفلسطينيين في المقابل أصدرت دولة الاحتلال قانون القومية اليهودية.

ختامًا؛ تغيرت الإدارة في سياساتها تجاه منطقة الشرق الأوسط وفقًا لعقيدة وإدراك الرئيس “ترامب” الذي اعتمد على سياسة الابتزاز ومهادنة مع دول المنطقة لتحقيق أهدافه دون تحمل أعباء التدخل في قضايا المنطقة.

 ومن المحتمل أن تستمر السياسات الأميركية في المستقبل على هذا النحو.  فلم تعد واشنطن قادرة على تحمل تكلفة الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، ولكنها لن تتركها للقوى الكبرى فمازالت هناك مصالح أميركية في المنطقة لابد من الحفاظ عليها. في المقابل ستتوجه واشنطن نحو آسيا؛ حيث المواجه مع الصين على كافة الأصعدة.

المراجع:

1-     آية عبدالعزيز، “آليات جديدة…..أشكال و أنماط التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط بعد غزو العراق”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 11 يوليو 2017. http://cutt.us/y3vzG

2-     آية عبدالعزيز، “نكبة جديدة: نقل السفارة الأمريكية للقدس”، المركز العربي للبحوث والدراسات، 15/5/2018. http://www.acrseg.org/40742

3-     د. أحمد سيد أحمد، ” إدارة ترامب وقضايا الشرق الأوسط .. حدود التغير”، السياسة الدولية، 22/1/2017. http://www.siyassa.org.eg/News/11970.aspx

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.