Take a fresh look at your lifestyle.

إرث ميركل.. النجاحات والإخفاقات، ومستقبل ألمانيا مع “كارينباور”

0 50

المركز العربى للبحوث والدراسات – محمود جمال عبد العال 24/12/2018

يرى المحللون أن النهج الذي اتبعته المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” في الإدارة الآمنة للملفات الحيوية كالاقتصاد والهجرة والعلاقة مع أوربا أدى إلى إهمال المبادرات والتساؤلات الجوهرية التي كان من الواجب وضعها في الحسبان، وهو ما سيمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لخليفتها “أنجريت كرامب-كارينباور” في الحزب الديمقراطي المسيحي الذي يقود الائتلاف الحاكم في ألمانيا. ويُعد فوز “كارينباور” برئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي تداولًا للسلطة بعد 13 عامًا من سيطرة للمستشارة الحالية “ميركل”.

أبرزت هذه الرؤى العديد من التساؤلات التي تتعلق مباشرةً بما يُمكن تسميته “تراث ميركل” أو  كما يُطلق عليه الألمان  ما بعد ميركل “Nach Merkel”؛ حيث دفعت سياسات “ميركل” الاقتصادية إلى تقلص معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ إعادة التوحيد. على الصعيد السياسي، أثارت سياسات “ميركل” فيما يتعلق بالهجرة واللجوء، والتكامل الأوربي العديد من انتقادات معارضيها، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًّا فيما قد تسير عليه السياسة الألمانية خلال الفترة المقبلة. وسنحاول في هذا التقرير تقييم حقبة ميركل سياسيًا واقتصاديًا، واحتمالات التغير والاستمرار في عهد خليفتها في الحزب الديمقراطي المسيحي ” كارينباور” المرشحة لتولي منصب المستشار بعد التنحي الطوعي لـ “ميركل” 2021.

تراث ميركل، ومستقبل الحزب الديمقراطي المسيحي(1)

                شهدت حقبة “ميركل” تغليبًا للبراجماتية الحذرة خاصة في المجالات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي، وسياسات الهجرة، وسنتناول أهمها فيما يلي:

1-     معضلة البيئة، والطاقة: في الوقت الذي تسير فيه سياسة “ميركل” على أساس التحول التدريجي إلى مصادر الطاقة البديلة للحفاظ على البيئة، وهو ما بدا في الرؤية التي أعلنت عنها في 2009 لتحويل مليون سيارة إلى الطاقة الكهربائية، وهو ما قد يهدد بإزالة 114 ألف وظيفة من قطاع السيارات بحلول عام 2035. وعلى العكس من هذا التوجه، حافظت “ميركل” على الحوافز الضريبية التي تُروّج للديزل كعنصر أساسي في طاقة السيارات. وفيما يتعلق بالطاقة النووية، اعتمدت خطة “ميركل” في 2011 على التقليل من الاعتماد على الطاقة النووية بعد وقوع حادث في مصنع فوكوشيما الياباني، مما حمَّل البيئة عبئًا أكبر؛ حيث تلازم مع ذلك التوجه نحو إلى التخلص التدريجي من الطاقة النووية بعد وقوع حادث في مصنع فوكوشيما الياباني. أدى ذلك إلى زيادة التوجه نحو استخدام الفحم عالي التلوث، وهو ما يجعل ألمانيا بعيدة تمامًا عن اهدافها البيئية التي أعلنت عنها(2).

2-     الملف الاقتصادي: قد تواجه ألمانيا في فترة ما بعد ميركل أزمة على مستوى السياسات الاقتصادية المتبعة؛ حيث يواصل القطاع المصرفي الألماني نضاله مع استمرار مستوى الربح المنخفض (low profitability)، وذلك على الرغم من خطة الانقاذ التي اتبعتها “ميركل” لإنقاذ البنوك في الأزمة المالية العالمية؛ إذ أنفقت الحكومة الألمانية حوالي 32 مليار دولار على عمليات إنقاذ البنوك. أما على مستوى البنية التحتية، فتشير تقارير مؤسسة بلومبيرج إلى تراجع شبكة الطرق والجسور والسكك الحديدية الألمانية بعد أن كانت نموذجًا للفخر الألماني عالميًا. ويعود ذلك لأسباب تتعلق بنقص الانفاق على الصيانة وتأخر المشروعات الجديدة مثل مشروع مطار برلين المتأخر منذ فترة طويلة، ومحطة قطارات شتوتجارت، وهو ما يُلزم أي قيادة جديدة للعمل على سد الفجوة الاستثمارية في هذه القطاعات. من ناحيةٍ أخرى، سيعاني الاقتصاد الألماني خلال الفترة المقبلة من النقص في أعداد العمالة المدربة؛ إذ تشير التقارير إلى أنه بحلول عام 2030 سيتضاعف أعداد الأشخاص المتقاعدين في ظل تضاؤل عدد الشباب الذين سيدخلون سوق العمل، وهو ما سينعكس على العملية الانتاجية نفسها بالتلازم مع زيادة كلفة أنظمة الضمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية. وقد نجحت سياسات “ميركل” في معالجة هذه النقطة بحذر، وهو ما بدا في رفعها سن التقاعد إلى 67 عامًا في فترتها الرئاسية الأولى واتباعها مؤخرًا سياسة الباب المفتوح نحو الهجرة واللجوء.

3-     التكامل الأوربي: نحت سياسات “ميركل” خلال الفترات السابقة على دعم منطقة اليورو لتحقيق التكامل الأوربي رغم الظروف الاقتصادية السيئة التي مرَّت بها منطقة اليورو، ولكن استطاعت “ميركل” مواجهة الديون السيادية وتجاوز مراحل الإفلاس لبعض دول المنطقة كاليونان، وهو ما رفع زاد من سياسات التقشف التي كادت ان تودي بأزمات سياسية كادت ان تهدد استقرار منطقة اليورو.

4-     معضلة الهجرة واللجوء: أثار قرار “ميركل” باستضافة مليون طالب لجوء حالة من عدم الارتياح سواءً على مستوى الأحزاب اليمينية أو على مستوى الأكثر ميلًا نحو أفكار اليمينيين فيما يتعلق بالهجرة واللجوء. وقد كان هذا الملف محور خلاف بين المرشحين لخلافة “ميركل”؛ حيث ظهر “فريدريش ميرتس” الذي حل ثانيًا في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي المسيحي بسياسات شعبوية معادية تمامًا لكل ما له علاقة بالهجرة، ووزير الصحة “ينس سبان”، المعارض الرئيسي لميركل داخل الحكومة(3).  ويمثل فوز ” كارنباور” نجاحًا لسياسات “ميركل”؛ إذ لن ينعكس ذلك بتغير جوهري فيما يتعلق بسياسات الهجرة خاصة ان “ميركل” قامت بتحجيمها مؤخرًا.

الملامح الأساسية لتوجهات “ كارنباور”

رغم تحفظ ” كارنباور” على بعض السياسات التي كانت تتبعها “ميركل” خاصة فيما يتعلق بالهجرة إلا أن فوزها يمثل انتصارًا لميركل، ليس لاستمرار سياسة “ميركل” كما هي، ولكن على الأقل ضمان عدم حدوث تغيرات جوهرية في السياسات الألمانية خاصة فيما يتصل بتزايد التوجه العالمي نحو تعزيز السياسات الحمائية، والموقف من الاتحاد الأوربي، والتعاون مع روسيا وتركيا. وجاء صعود ” كارنباور” بقرارٍ من “ميركل” نفسها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد أن أعلنت “ميركل” عزمها الانسحاب طواعية من رئاسة حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي نتيجة تزايد الضغوط عليها عقب خسارة تحالفها مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، في انتخابات ولايتي بافاريا و هيسن(4). ونتيجة قرب ” كارنباور” من “ميركل” وصفها البعض بأنها ميركل الجديدة أو النسخة الجديدة من ميركل (Mini Merkel). وسنوجز فيما يلي الملامح الأساسية لتوجهات ” كارنباور”.

1-     التوجهات الشخصية: تمتلك “ كارينباور” وجهة نظر مزدوجة فيما يتصل بالتوجهات الشخصية، فهي تؤمن تمامًا بحقوق المرأة، وأهمية وجود حد أدنى للأجور، وتحمل أفكارًا أكثر ليبرالية فيما يتعلق بسياسات التعليم، والدور الألماني في دعم التكامل الأوربي. وفي المقابل، ونتيجة لتكوينها الكاثوليكي لديها سياسات محافظة فيما يتعلق برفض زواج المثليين؛ حيث أعربت مسبقًا على اعتراضها من إقرار البرلمان الألماني حق منح الزواج للمثليين. وتؤيد “ كارينباور” إعادة فرض الخدمة الإلزامية لمدة عام.

2-     الموقف من الهجرة: على الرغم من دعم ” كارينباور” لسياسات “ميركل” فيما يتصل بملف الهجرة، ولكنها لديها إشكالية فيما يتصل بهوية ألمانيا؛ حيث عبَّرت في وقت سابق عن هذا الشأن قائلة “لدي إحساس خطير بالغربة في ألمانيا”، ولكنها في الوقت نفسه اعترفت ان ليس لديها خطة مثالية لحل هذه المشكلة. وتعترف ” كارينباور” ان ألمانيا بلد هجرة، ولكنها تعمل على تنظيم الهجرة بشكل أكثر حزمًا، وطالبت بضرورة التسريع في ترحيل طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم، إضافة إلى إجراء فحوصات طبية موحدة على المهاجرين الشباب. وتعتبر أن ذلك لا يعيب من إرث “ميركل” شيئًا، ولكنه سيحسنه(5). وذكرت موقفًا يعكس رؤيتها لأهمية الجهود التي يبذلها المهاجرين لصالح الاقتصاد الألماني عندما ذكرت عمل زوجها مع المهاجرين الأتراك(6).

3-     العلاقات الألمانية التركية: تُمثل مسألة ازدواج الجنسية للألمان من أصول تركية جوهرًا للخلافات الألمانية التركية، وهو ما بدا في الانتخابات الرئاسية التركية الأخيرة، ومحاولة حزب العدالة والتنمية بالترويج السياسي للجاليات التركية في أوربا، وهو ما تم مواجهته بحسم في هولندا وألمانيا على سبيل المثال. وتتبنى ” كارينباور” منع ازدواج الجنسية للأجيال التالية للمهاجرين وقصر الازدواج على الجيل الأول من المهاجرين.

4-     العلاقات الألمانية الروسية: تدعم ” كارينباور” مواصلة الضغط على موسكو للوصول إلى تسويات أوربية مع روسيا بشأن الأزمة الأوكرانية. وتدعم ” كارينباور” تعزيز استراتيجية الدفاع الألمانية لمواجهة الخطر الذي تراه قادمًا من روسيا.

5-     الموقف من أوربا: ترى ” كارينباور” أن الاتحاد الأوربي مصدر  قوة، لذا سوف تتبنى استراتيجية استمرار سياسة الدعم للاتحاد الأوربي ومؤسساته خاصة الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وقد تعمل ” كارينباور” على دعم فكرة جيش الاتحاد الأوربي، وهو ما سبق دعت إليه “ميركل” في كلمة لها أمام البرلمان الأوربي.

6-     العلاقات الأمريكية الألمانية: لم تظهر توجهات ” كارينباور” تجاه الولايات المتحدة؛ حيث لم تبرز موقفًا واضحًا تجاه العلاقات الأمريكية الأوربية عمومًا، والعلاقات الأمريكية الألمانية على وجه الخصوص، ولكنها قد تصطدم مع واشنطن فيما يتعلق بدعمها فكرة الجيش الأوربي الموحد، ومسألة إعادة الخدمة الإجبارية لمدة عام، وهو ما قد يفتح تساؤلات تتعلق بترتيبات الولايات المتحدة التي فرضتها بعد الحرب العالمية الثانية لتحجيم القوة العسكرية الألمانية. وقد زارت “كارينباور” واشنطن، وتحدثت في الاجتماع السنوي لحكام الولايات الأمريكية باعتبارها الأمين العام لحزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي.

ختامًا، يبدو أن قواعد التغيرات الجذرية في الحالة الألمانية من الصعب التنبؤ بها؛ إذ يعتقد المتابعون أن الحروب العالمية التي خاضتها ألمانيا أنتجت شعب أكثر تسامحًا مع سياسات التغيير الراديكالي، وهو ما قد يكفل فلترة الخطابات الشعبوية واليمينية التي تعزز من خطابات الهوية، وهو ما لم يقبله الألمان الذين عانوا من أخطاء السياسات الفردية في السابق، لذا كان من المتوقع ألا يُصوت الحزب الديمقراطي المسيحي للشعبوية المتطرفة التي ظهر عليها “ميترس”. وقد يكون ذلك مؤشرًا لخيارات الناخب الألماني لمرحلة ما بعد ميركل المقرر انتهاؤها بتنحي “ميركل” طوعًا في عام 2021. 

الهوامش

1-      Alessandro Speciale and Jana Randow, Will Merkel Leave Germany Fit for the Future? Probably Not (9/12/2018), Bloomberg,  https://goo.gl/ja5WQh

2-      Ibid.

3-      Nick Miller, ‘Mini-Merkel’: new leader chosen to replace Germany’s Angela Merkel 98/12/2018),  The Sydney Morning Herald, https://goo.gl/HnqDct

4-      Kate Connolly, Who is Annegret Kramp-Karrenbauer, the new leader of Germany’s CDU? (7/12/2018), The Guardian,  https://goo.gl/uYXF49

5-      Ibid.

6-      Jorg Luyken and Peter Foster, Who is Annegret Kramp-Karrenbauer? And what will she do next? (7/12/2018), The Telegraphhttps://goo.gl/KVDjMt

1

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.